فايننشال تايمز: قطر تجاوزت الحصار بشراكات جديدة  واستراتيجيات أمن غذائي  

May-16

1

لندن  ـ”القدس العربي” ـ  إبراهيم درويش

خصصت صحيفة “فايننشال تايمز″ تقريرا لمحاولات قطر تجاوز الحصار المفروض عليها منذ عام تقريبا. فهذه الدولة الخليجية تواجه كما تقول واحدة من أكبر التحديات الخارجية منذ عقود. وهي تنفق 200 مليار على البنية التحتية وتفتح خطوطا للتجارة جديدة، ولكن هذا الوضع مستدام؟  ففي شمال العاصمة القطرية مدينة لوسيل التي تتكون من شوارع فارغة وأبراج شبه مكتملة وعشرات الرافعات التي تحوم فوق مواقع البناء. وأحيانا تشير الملابس المغسولة المعقلة على الشرفات لوجود حياة فيها والتي يخطط أن تستقبل 200.000 شخصا وبحلول عام 2022 فستاد لوسيل الذي صممته شركة فوسترأند بارتنرز سيسيتقبل 80.000 مشجعا في مباريات كأس العالم التي ستستقبلها قطر ذلك العالم.

 وتعلق الصحيفة أن توسع المدينة السريع من صحراء مغبرة إلى مركز دولي يأتي في وقت تواجه فيه بقيه قطر أزمة خارجية خطيرة وحصار فرضته السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر بتهم تشجيع الإمارة الإرهاب. وتقول الصدفية أن الصدع بين حلفاء الولايات المتحدة أدى لمواجهة بعضهم البعض بحيث أثر على خطط واشنطن مواجهة الإرهاب الإسلامي وإيران. وتقوم الولايات المتحدة بنشاط واسع للتوصل إلى تسوية إلا أن قلة تعتقد بقرب حل للأزمة خاصة أن الرياض وأبو ظبي راضيتان عن عزلة قطر. وتحاول هذه مواجه الحصار وأثره الاقتصادي من خلال استثمار 200 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية- طرق وخطوط سكك حديدية كما وجهت الحكومة 50 مليار من الصندوق السيادي لحماية النظام المصرفي وسعر الصرف. وقال جهاد أزعور، المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي “استطاعت قطر التكيف من خلال عدد من الإجراءات للتعويض عن مخاطر التجارة والتمويل” مضيفا “ولكنه ليس الوضع الامثل فأي فرق تجاري مع الدول الجارة يؤثر على مواقف الإستثمار”.

 وتعلق الصحيفة على أن الحصار المفروض منذ حزيران (يونيو) قطع خطوط الإمدادات الرئيسية- الطرق البرية من السعودية والبحرية من جبل علي- وقطع خطوط الطيران القطرية التي تمثل خمس المقاعد التي تبيعها خطوط الطيران القطرية التي هددت بتقديم دعوى قضائية عن الأضرار التي تسبب بها الحصار. وتم طرد كل القطريين من دول الحصار بشكل فصل العائلات المرتبطة منذ أجيال بالتزاوج المختلط. وأثر على النمو الاقتصادي وزيادة كلفة الاستيرادات الخارجي بحيث أجبر الحكومة على سحب 340 مليار دولار من حساباتها الخارجية لدعم النظام المالي الذي لا يزال عرضة لنقص العملة الصعبة كما يقول التجار المحليون. وانخفضت أسهم قطر من الثروة السيادية في بعض الشركات الخارجية مثل تيفاني أند كو وكريدت سويس من أجل حرف المال للإجراءات المحلية الطارئة. وفي الشهر الماضي أصدرت الحكومة القطرية صكوكا بقيمة 12 مليار دولار.

وبدأت الأزمة من السعودية والإمارات اللتان نصبتا نفسيهما كضامن للأمن الإقليمي ولغضبهما على دعم قطر الحركات الإسلامية الذي جاء نتاجا للربيع العربي بالإضافة للحركات الإسلامية المتجذرة مثل الإخوان المسلمين في مصر وحركة حماس الفلسطينية وخافتا من تأثير هاتين الحركات على النظام الملكي في الخليج. وتملك قطر قناة الجزيرة التي تقوم بتغطية مستمرة للوضع بشكل أغضبت الدول الجارة. وتضيف إلى أن مطالب الرباعي المحاصر الأولى والتي اشتملت على إغلاق قناة الجزيرة والقاعدة العسكرية التركية في البلد خفضت إلى ستة مطالب منها مواجهة التطرف وعدم التدخل في شؤون الجيران. وتنفي قطر هذه الاتهامات وترفض أي قيود على سيادتها.

وتتوقع أن يزيد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي الخروج من الإتفاقية النووية من مصاعب قطر التي تعتمد في خطوط النقل على جارتها إيران وعمان والكويت اللتان تحاولان تطوير علاقات مع الجمهورية الإسلامية.

ويقول المسؤولون القطريون إن مستوى التبادل التجاري مع إيران في الحد الأدنى مقارنة مع مستوى التجارة الإيرانية مع إمارة دبي. وقالت لؤلؤة الخاطر، المتحدثة باسم الخارجية القطرية أن ” تسيطر الإمارات على نسبة 90% من التجارة بين دول مجلس التعاون الخارجي وإيران وحتى بعد حصار قطر”. وتشير الإحصائيات الرسمية أن حجم التبادل التجاري زاد بعد الحصار لكنه يظل أقل من تبادل الإمارات.

وتضيف الصحيفة أن قطر وقد تجاوزت الحصار تقوم الآن بتعزيز النمو وملء رفوف المحلات ومراكز التسوق المنتشرة في المناطق الحضرية. فالعجز بنسبة 1.6 من الدخل الإجمالي المحلي العام الماضي سيتحول إلى فائض بنسبة 2.8% عام 2018 خاصة أن أسعار النفط تقترب من 80 دولارا للبرميل.

كما أن مستويات النمو في القطاعات غير النفطية تصل إلى 4% هذا العام، أحسن من المستويات التي تتمتع بها الدول الجارة لقطر. ويظل النمو الاقتصادي المحلي هو ظل ما كانت عليه قطر في الماضي حيث وصل النمو في الفترة ما بين 2000- 2014 بنسبة 12% وهي المرحلة التي زاد فيها عدد السكان من 600.000  نسمة إلى 2.5 مليون نسمة. وتقول إن زخم النمو كان يتباطأ قبل الحصار حيث بدأ يسري  إلى قطاع الخدمات والتجزئة والضيافة. وقال مستشار غربي “لم يتأثر سوى 15% بسبب الحصار” و “الباقي هو عملية تصحيح كانت ستحدث”. وبحسب الشركة الإستشارية دي تي زيد  إن الإحصائيات الرسمية تظهر وصول الزوار إلى قطر  انخفض بنسبة 23% عام 2017 إلى 2.3 مليون حيث ضغط على الغرف المستأجرة في الفنادق ومعدلاتها وسط خطط بزيادة قدراتها بنسبة 75% قبل افتتاح مونديال عام 2022. ولدى الإمارة الصغيرة  21 مركزا للتسوق وهناك خطط لافتتاح أربعة هذا العام بشكل منح وفرة للتجارة مع تراجع ثقة المستهلك. كما أثرت معدلات الإنفاق القليلة والعرض المتزايد والحصار على الإيجارات. فقد انخفضت أسعار الشفقق السكنية بنسبة 20% من الذروة في عام 2016 وذلك حسب إحصائيات المصرف المركزي.

وتقوم الكثير من دوائر الحكومات والشركات الخاصة بخفض الميزانيات لتقليل النفقات ” هناك زيادة في العرض في مراكز التسوق والبنايات والفنادق” على حد قول مصرفي قطري و “لكن الحكومة تقوم بالاستثمار”. فالحكومة القطرية التي تعد أكبر مصدر في العالم للغاز المسال تقوم بتوسيع عقودها لتزويد طويل الأمد مع بنغلاديش وفيتنام وأعلنت عن شركات جديدة مع القطاع الخاص لمناطق لوجيستية ومشاريع بنى تحتية. ويرى علي الشريف العمادي، وزير المالية أن تغيير القانون للسماح للأجانب كي يستثمروا في قطر بدون كفيل محلي وامتلاك عقارات قد يجعل من بلاده مكانا جاذبا للاستثمار. وبدون الاعتراف بالمفارقة حول عزلة قطر وتحولها إلى مركز تجاري يقول العمادي إن الخطوط الجوية ومينائها الجديد قد يغذي النمو. ويتحدث المسؤولون عن إعادة تسمية البلد إلى “قطر العالمية” وتوسيع مداها أبعد من شركائها التقليديين. قال العمادي: “سنكون واحدة  من أكثر الدول التنافسية بالمنطقة في مجال الاستثمار المباشر”. وقال إن بلاده اجتذبت 774 مليون دولار من الاستثمار المباشر عام 2016 أقل من مليار عام 2015 وأدنى بكثير من 3.6 مليار قبل الأزمة والمعدل ما بين 2006- 2007. وعلى المستوى المحلي فقد وقف الشعب وراء الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وصوره المرسومة بالرصاص معلقة على كل بناية وتحول الأمير الشاب، 37 عاما إلى بطل شعبي. وهناك الكثير من العمال الأجانب يعلقون صوره ويشجعون قطر على هزيمة الحصار.

وقالت هيا الوليد آل ثاني، الطالبة بجامعة جورج تاون- قطر: “وحد الحصار البلد كله: مواطنون ومقيمون وطلابا” و “حتى لو حلت المشكلة فلن نزور هذه الدولة ولسنوات ولن نثق بها، كيف نذهب؟”. وعانت قطر من الوضع نفسه عام 2014 عندما قامت السعودية والبحرين والإمارات بسحب السفراء. ورغم الاتفاق الذي سوى المشكلة إلا أن القطريين يحضرون مخزونا غذائيا استراتيجيا تحضيرا لليوم الذي يحول فيه الجيران بلدهم إلى جزيرة. وبعد الحصار حصلت حالة من الفزع أدت لإفراغ رفوف المحلات التي تم ملؤها مرة أخرى. ومن خلال ميناء حمد الذي يعمل بقدراته الكاملة منذ عام 2016 وقطر تقوم بإعادة تشكيل خطوط الإمدادات وفتحت عشرة خطوط مع دول تتراوح من عمان وتركيا إلى الهند والصين. ويقول التجار في سوق الدوحة القديم إنهم يستطيعون الحصول على احتياجاتهم من هذه الخطوط إلا ان الكثيرين لا يزالون يعتمدون على شحن البضائع من دبي عبر عمان المحايدة بشكل زاد من الأسعار. وعلى المستوى الوطني فقد زاد التضخم في مجال الشحن والطعام مع أن فتح خطوط جديدة يعني انخفاضه.

وتقول الصحيفة إن “الأمن الاقتصادي” أحيا الفكرة التي لم تكن متداولة حول “بديل المستورد” أي استبدال المستورد بمنتجات محلية. فالبقالات التي كانت تمتلئ بالخضروات والألبان السعودسة تمتلئ بالألبان المنتجة محليا والفواكه من إيران والخضروات من بنغلاديش. ويقوم القطريون بتربية المواشي وانتاج الخضروات وبيعها في أسواق المزارعين في المدينة.وفي تحول آخر نحو الاكتفاء الذاتي تحضر مؤسسة مالية لطرح صناديق أسهم خاصة. وقال محمد آل ثاني، وزير التجارة والاقتصاد “يمكننا الخروج من التهديد” و “ونعرف أننا ننتصر ونخسر”. ولكن المسؤولين السعوديين والإماراتيين يعتقدون أنهم قادرين على مواصلة الحصار بأثر قليل عليهم. ومع اقتراب عام 2022 فستزيد الضغوط لتسوية بين الأطراف، لكن الحديث القوي من الدوحة يعطي فكرة أن الحل بعيد. وفي آذار (مارس) وصف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحصار بأنه أمر “لا قيمة له”. ومن جهتها تقول الإمارات الداعم القوي للحصار أن الأزمة أجبرت قطر للتركيز على اقتصادها وعدم التدخل في محاور النزاع بليبيا وسوريا”. واقتنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وقف مع دول الحصار في البداية لكي يدفع باتجاه الحل. وقام وزير خارجيته مايك بومبيو بزيارة إلى الرياض في نيسان (إبريل) لكي يدفع للتسوية. وقالت الخاطر “نحن مستعدون لمعالجة مظاهر القلق ولكننا بحاجة لجيراننا لمعالجة مطالبنا”، و “فأن يقرروا في ليلة وضحاها بمحاصرتنا وطرد مواطنينا.. وهم بحاجة لاحترام سيادتنا”. ويؤكد القطريون أن الشراكات الجديدة هنا لتبقى وليست لديهم نية للعودة إلى الشراكات القديمة مع دول الخليج و “سنواصل عمل ما هو مفيد لاقتصادنا”.