“فادي أبو صلاح”… دماء على كرسي متحرك

May-16

24ipj

خان يونس- هاني الشاعر: في 14 مايو/ أيار عام 2008، كاد الشاب الفلسطيني فادي أبو صلاح “30عامًا”، أن يفقد حياته، بعد تعرضه لقصف جوي إسرائيلي، نجا منه بأعجوبة، لكنه فقد طرفيه السلفيين بالكامل.

وفي نفس اليوم، وبعد 10 سنوات كاملة، (14 مايو/ أيار 2018) تعرض المقعد الفلسطيني، لرصاصة من قناص إسرائيلي في صدره، خلال مشاركته في مسيرات العودة الكُبرى على حدود غزة، أودت بحياته على الفور.

وكانت وكالة “الأناضول” قد التقت فادي أبو صلاح، الأب لخمسة أطفال وزوجته، في أحد الخيام المقامة قرب الحدود، شرقي محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة؛ قبل أسابيع من استشهاده.

وقال فادي، في المقابلة الأخيرة، إن إعاقته لن تثنيه عن المشاركة في المسيرات، “حتى تحرير الأرض وكسر الحصار عن القطاع″.

وحينما عدنا لزيارة منزل “فادي” بعد استشهاده، لم يكن موجودا، لكن دراجته المتحركة، بقيت كأثر، شاهد على الجريمة التي ارتكبت بحقه مرتين.

وقتل الجيش الإسرائيلي “فادي” بعيار ناري اخترق صدره، أثناء تواجده مع المتظاهرين السلميين شرقي بلدة عبسان الجديدة شرقي خان يونس، مساء الاثنين، وجرى تشييعه في ذات الساعة التي أصيب بها، وسط حزن وصدمة لزوجته وذويه.

25ipj

زوجة الشهيد، آمنة أبو صلاح “30 عامًا” أُصيبت بالصدمة، ولم تصدق ما الذي حلّ بزوجها، فلم تكن تتصور أن يقدم الجيش الإسرائيلي على إعدام رجل معاق، يعتلي كرسي متحرك (دراجة خاصة)، ولا يشكل أدنى خطر عليه.

تعانق “آمنة”، أطفالها وتبكي بحرقة؛ وتقول لوكالة الأناضول:” كأنه كان يعرف…أوصاني على الأطفال وخرج، وعاد محمولا على الأكتاف”.

وتشير إلى أنها وزوجها وأطفالها، يشاركون في مسيرات العودة، بشكل شبه يومي، منذ انطلاقها نهاية شهر مارس/ آذار الماضي.

وتقول:” كنت أشارك مع زوجي وأطفالي باستمرار في مسيرات العودة، ولا يكاد يمر يوم إلا ونكون في مخيم العودة، وتعرضنا للاختناق بالغاز، واستهدف جيش الاحتلال دراجته التي تقله إلى هناك بقنابل الغاز أكثر من مرة”.

وتشير الزوجة المكلومة إلى أن مشاركة زوجها المقعد “فادي” في مسيرات العودة رغم فقدانه طرفيه بالكامل، كان بهدف “إغاظة الاحتلال، والتأكيد على مدى تمسكنا بأرضنا ووطننا وقدسنا، ورسالة للعدو بأن أرواحنا فداء للمسجد الأقصى”.

وتضيف: “ليلة الاثنين، لم ينم بتاتًا على غير العادة، وبقي على الهاتف طوال الليل يطالع الأخبار، ويراقب ويتابع بتوتر التحضيرات لمليونية العودة، وارتشف كوبا من الشاي، وخرج مبكرًا لمخيم العودة، وأوصاني على الأطفال”.

وتضيف: “كنت بالمنزل مع أطفالي، وعند موعد الغداء اتصل عليّ، وأخبرني أنه لن يتمكن من الحضور (..) بعدها بقليل اتصل عليّ شقيقه وأخبرني باستشهاده”.

وتكمل باكية: “لم أصدق وخرجت مسرعة للمستشفى ولم يفدني أحد بمصيره، حتى رأيت شقيقه الآخر يقود دراجته الفارغة، فانهرت بالبكاء وأيقنت أنه استُشهد”.

وتساءلت وهي تبكي بُحرقة: “لم يكن فادي يُشكل خطرًا على الاحتلال، وهو ظاهر لهم بنصف جسد؛ فلماذا تم قتله وحرمانه من أطفاله؟!”.

وأكملت: “ألم يكتفي الاحتلال بقصفه وبتر قدميه؟! أي رحمة وضمير عند هؤلاء الوحوش؟”.

ولفادي عشق مع كرسيه المتحرك، الذي صممه على شكل دراجة، كي تتلاءم مع احتياجاته، وتمكنه من اصطحاب أسرته.

ووضعت عائلته الدراجة، أمام سرادق “العزاء”.

وتزوج فادي عام 2010، وأنجب خمسة أطفال أكبرهم سنًا التوأم زياد وياسر (ثماني سنوات)، وأصغرهم ليان (سنة واحدة).

وتقول زوجته، إنه كان ذو همة عالية، رغم إعاقته، حيث كان يمارس حياته بشكل طبيع، ويقضي حاجياته بنفسه.

ويعتر الشهيد “فادي” الشقيق الأكبر لستة أشقاء، وكان يُعيل أسرته ذات الدخل المحدود قبل أن يتعرض لفقدان طرفيه السلفيين.

وتقول والدته انتصار أبو صلاح “47عامًا”، لوكالة الأناضول:” نحن نقطن في بلدة عبسان الحدودية، والتي تتعرض للقصف والاجتياحات الإسرائيلية”.

وتضيف إن فادي تعرض لقصف إسرائيلي بصاروخ واحد من طائرة بدون طيار بجوار المنزل.

وتكمل: “حينما أصيب عام 2008 كنا نعتقد أنه استشهد، لكنه نجا بفضل الله، وفقد طرفيه السفليين”.

وتضيف: “في عام 2010، قررت أن أزوجه، وعاش مع زوجته 8 سنوات، ويمارس حياته بشكلها الطبيعي، حتى ارتقي شهيدًا، وترك ذكرى جميلة وهي أطفاله الخمسة الذين خففوا من هول فاجعة استشهاده علي”.

لكن اقتراب شهر رمضان، يثير الأسى والحزن في نفس والدته، حيث أن كان معتادا على تناول طعام الإفطار معها.

وتتابع الأم وهي تبكي: “اعتدت أن يكون فادي بيننا على مائدة الإفطار في رمضان، وها هو يأتي الشهر الفضيل وهو ليس بيننا!؛ لا أعلم كيف سيكون ذلك هذا العام؛ فمن المؤكد أنه صعب وقاسي، فلم أصدق بعد ما حدث، ولم أتصور كيف يتم استهداف مقعد!”.

ومما يحزن الأم أكثر، معرفتها مدى تعلّق أطفاله به، وحبهم الكبير له.

وتختم قائلة:” لا نعرف كيف سنجيب على أسئلتهم الآن، حين يسألون عن والدهم، ولماذا لم يعد يأخذهم في النزهة اليومية على دراجته؟”.

وسبق للجيش الإسرائيلي أن أعدم فلسطينيا معاقا، هو إبراهيم أبو ثريا، قرب السياج الحدودي، في حادثة تكاد تتطابق تفاصيلها مع قصة فادي أبو صلاح الذي كان يحتج على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

فأبو ثريا، الذي قتله الجيش الإسرائيلي في 15 ديسمبر/كانون أول الماضي، برصاصة أطلقها قناص على رأسه مباشرة، قرب السياج الحدودي شرق مدينة غزة، كان يحتج على اعتراف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسبق أن فقد طرفيه السفليين في غارة إسرائيلية وقعت كذلك في ذات العام الذي أصيب فيه “أبو صلاح”، وهو 2008. (الأناضول)