سطوة اللحظة الراهنة

بلال فضل

Jan-13

سأفترض أنك لست راضياً عن الواقع الذي تعيشه، وأنك إن لم تكن من الساعين لتغييره، فأنت على الأقل تتمنى تغييره، ولذلك فقط أسألك: هل ترى سبيلاً إلى تحقيق أي تغيير، طالما ظللنا نُسلِم أنفسنا لسطوة اللحظة الراهنة؟ لاحظ من فضلك أنني قلت «نُسلم أنفسنا»، لأفرق بين من يمتلكون لأسباب متعددة خيار عدم الاستسلام الكامل لها، وبين الذين لا يملكون سوى الاستسلام لها، لتقليل خسائرها واحتواء تداعياتها، كأن تكون مثلاً قريباً لمعتقل أو مختفٍ قسرياً، أو يكون كل ما يشغلك هو الإفلات من الخوازيق اليومية المنتشرة في جنبات البلاد وزخانيقها.
دعني أشرح فكرتي أكثر بهذا المثل: منذ أيام نشبت مشادة بين صديقين على الفيسبوك، بعد أن كتب أحدهما رأياً عن أهمية الاشتراك في الانتخابات، ولو كان ذلك في ظل الحكم العسكري، مستشهداً على عجالة ببعض تجارب دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل وتشيلي، ومع أن رأيه لم يكن فيه جديد مبهر، إلا إنه على ما يبدو داس على «كالّو» ملتهب في نفسية صديقنا الآخر الذي علّق ساخطاً: «هو ربنا مش هيتوب علينا من العَبَط، البلد بتغرق وإنت تقولّي البرازيل وتشيلي، فوقوا بقى من الغيبوبة دي»، ليرد الأول بقسوة مماثلة، ويطلب منه التوقف عن متابعته أو حذفه إذا كان كلامه يزعجه، فيرد الآخر بأن هذه فكرة وجيهة تأخرت ووجب تنفيذها، لتبدأ مجهودات أولاد الحلال لنزع فتيل الأزمة، التي لعلك تعاصر مثلها كثيراً، بعد أن أحكمت السلطات الأمنية منافذ المجال العام بالضبّة والمفتاح، فلم يعد للناس إلا الفضفضة ـ ولا أقول الهبهبة ـ عبر حساباتهم الشخصية، حتى يجد الرئيس عبد الفتاح الكوري الشمالي وأتباعه صِرفة فيها.
لاحظ أن طرفي هذه الأزمة لم يختلفا في رفضهما للواقع المرير، بل لأن أحدهما يرى أن اللحظة الراهنة بكل كآبتها ودمويتها، لا تحتمل أي نظر إلى خارجها، ولو كان ذلك من باب التفكير والحلم، ولذلك كان سيتفاعل بحرارة مع صديقه، لو كتب يلعن المتسببين في أحكام الإعدام التي لم يسبق أن شهدت مصر مثيلاً لجنونها، أو نشر شكوى أسرة معتقل أو رسالة مهاجر مأزوم، أما الآخر فيرى أن إدراكنا لكل هذه المآسي والكوارث، يجب أن يدفعنا إلى قراءة تجارب شبيهة في قسوتها وجنونها، لعلنا نستفيد منها بأي شكل، بدلاً من حالة الاستسلام الكامل للواقع، وانتظار وقوع معجزة تغيِّره، أو كارثة تسرّع خطى مواجهته.
سترى تنويعات على هذه الأزمة، حين تتابع أخبار حملة الحقوقي البارز خالد علي الساعية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وما تثيره من جدل حاد عما إذا كان ذلك سيجعله محللاً للسيسي في مسرحية معدة سلفاً، كما حدث في انتخابات 2014 الهزلية، أو ما إذا كان ذلك السبيل الوحيد المتاح لتنظيم جهود الراغبين في التغيير. طيب، هل يمكن أن أستكثر الغضب الموجه ضد قرار المشاركة، حين يصدر ممن يرى كيف يُعدم العشرات بعد أحكام متعجلة مستندة لاعترافات منتزعة بالتعذيب، أو ممن يدرك كيف تُدار المحاكم والجلسات البرلمانية والبرامج بتليفونات ضباط الأجهزة السيادية، خاصة وقد أصبح كل يوم يحمل للناس نبأ مصيبة جديدة تحل على من يعرفونه، أو تذكرهم بما يمكن أن يكونوا هدفاً له من تنكيل وإهدار للحقوق؟
لكن، مع ذلك كله، هل يمكن أن تستهين بشجاعة من يدرك ذلك كله، ثم يقرر أنه لن يكتفي بالسخط أو الفرجة، بل سيتخذ من الاشتراك في حملة خالد علي الرئاسية، سبيلاً للمشاركة السياسية التي ثبت أن غيابها جنى الكثير على ثورة يناير/كانون الثاني، وإذا كان من الممكن أن يتعرض المواطن للسجن، لمجرد أنه كتب رأياً على الفيسبوك، أو لم يعجب ضابط بشكله في ميكروباص، فلماذا لا يستغل أي مساحة متاحة للحركة ليساهم في التغيير، خاصة أن ما ارتكبه نظام السيسي من كوارث وإخفاقات، يعطي فرصة لوجود قدر من التعبئة السياسية، يمكن أن يتم البناء عليه مستقبلاً، كما فعل الذين تحركوا ضد الأنظمة العسكرية الدموية في أمريكا اللاتينية، والذين استشهد بهم صديقنا إياه.
طيب، ما الذي يضمن غشومية السلطة، التي كلما شعرت بالتوتر عقب كارثة أو أزمة، زادت حدّة «تلويشها» في البطش، لأنها تتصور أن إسقاط نظام مبارك بدأ من سلالم نقابة الصحافيين التي كانت مثاراً للسخرية والتأليس، قبل أن يتضح لاحقاً خطورتها، فتجعلها سلطة السيسي من الكبائر الموجبة للعقاب الفوري، لكي لا تتسع منافذ الحركة في الشارع، فتجذب إليها الساخطين من الفقر والغلاء والظلم، ومع أن قمع هذه التحركات لن يكون مستحيلاً على سلطة قتلت المئات في يوم بمباركة شعبية، لكن آثارها في النهاية ستكون سلبية على النظام الذي يكتسب شرعيته لدى القوى المانحة و»الظارفة»، من كونه المسيطر على البلاد والشاكم للعباد، لذلك ربما كان يسمح الآن لخالد علي وأنصاره بحركة محدودة في نطاقات آمنة، فإذا رأى أن حركتهم تعدت النطاقات المتخيلة، فإن خالد لن يكون أكثر استعصاء على التحجيم والتهديد والتشويه من شفيق وسامي وقنصوة وجنينة وأنور وما يُستجد، لذلك تترقب سلطة السيسي نتائج حركة جمع التوكيلات لخالد علي، إذ لربما فشلت، فأعطت النظام «بُنطاً» سهلاً يواصل به العربدة الأمنية والقضائية والإعلامية، أما إذا أنذرت بحركة شعبية مقلقة، سيكون عليه أن يحسم خيار التعامل معها، إما بالقمع الفوري المسنود بأحكام القضاة وبلاغات المحامين وسعار المذيعين، أو بالتحجيم «الغتيت» المدعوم بالتزوير، لتكرار سيناريو 2014، بأرقام أعلى أو أدنى، حسب حصافة «الشيف» الذي سيتم اختياره لإدارة الطبخة النهائية.
لكن، هل لدى أعضاء حملة خالد علي الرئاسية حل آخر، سوى المضي في المسارات التي يتيحها الواقع، ليس بهدف إسقاط السيسي عبر الصندوق من أول جولة، فذلك وهمٌ أعفي جميع العاقلين منه، بل بهدف بناء حركة سياسية غير كرتونية وغير مصنوعة في دهاليز الأمن، لن يُشكِّلها إلا خوض التجربة التي ستكون مريرة ودامية، لأن صراعها لن يكون فقط مع السيسي والمنتفعين بنظامه، بل سيكون أيضاً مع الكارهين في المنطقة لكل ما تمثله مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وسيكون أيضاً مع المُحبَطين الذين وقعوا تحت سطوة اللحظة الراهنة، ومن يمكن أن يلومهم على ذلك، خصوصاً إذا كان في مأمن من بطشها المباشر، وسيكون أيضاً مع من بقي خارج السجون من أنصار جماعة الإخوان، إما «المِهيبرين» منهم المشغولين بالبحث عن انتصارات سهلة على صفحات الإنترنت، أو «الراكزين» الذين يوقنون أن استمرار نظام السيسي في بطشه، يكتب بالضرورة للجماعة عمراً كما حدث من قبل، لتستمر ثنائية العسكر والإخوان التي تدفع مصر ثمنها غالياً منذ أكثر من ستة عقود.
في ظني أن مشكلة حملة خالد علي لن تكون مع كل هؤلاء فقط، بل ستكون ـ في حالة استمرار الحملة وعدم التنكيل الشرس بها ـ مع المواطن العادي الذي لا يؤيد السيسي حباً فيه، بل خوفاً من مغبة رحيله. المواطن الذي قد يتعاطف مع من يحملون تجربة كفاح مشرفة مثل خالد، لكنه لا يثق فيهم بالضرورة كحكام، بل يفضل عليهم وهم الخباز المجرب وإن سرق نصف الرغيف، الذي يشتاق إلى التغيير لكنه ليس مستعداً لأن يروح هو وعياله «فطيس» من أجله، خاصة بعد أن رأى كيف تواطأ اللواءات والقضاة والإعلاميون ورجال الأعمال على دماء وحريات الذين حلموا بالتغيير. والسؤال الأهم هنا: هل ستنجح حملة خالد علي في تطوير خطاب قوي وعقلاني في الوقت نفسه، يجعل من أمثال هذا المواطن ظهيره الأقوى، إن لم يكن في هذه الانتخابات ففي التي تليها والتي تليها، فتنشأ بخالد وبأسماء تشابهه، تجارب سياسية مدنية كالتي نشأت في بلاد كانت تعاني من بشاعة الحكم العسكري، فأصبحت في مكان أفضل بكثير مما كانت عليه قبل عقد وعقدين من الزمان؟.
ولعلك تتفق معي أن أي إجابات على هذا السؤال التراجيدي، لن تكون مقترنة بالأمل المشرق أو اليأس المطبِق أو التفاؤل الأهطل أو التشاؤم المقبض، بل بالاختيار الشخصي المباشر والمشروع، الذي يجعلك تُفضِّل التضحية أو الفرجة أو الدعم أو التنفيض أو التعاطف أو التقطيم أو الاستسلام الطوعي لسطوة اللحظة الراهنة.
كل التقدير والاحترام لأعضاء حملة خالد علي فرداً فرداً، وعسانا لا نقول قريباً: الحرية لخالد علي.

سطوة اللحظة الراهنة

بلال فضل