الأردن وهو يعود للداخل: وزارة الملقي المدللة مع تفويض جديد لكنه مشروط

أنجزت أخطر ميزانية بدعم من الدّولة وأفلتت من تداعيات أزمة القدس

بسام البدارين

Jan-13

عمان ـ «القدس العربي»: أفلتت حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي في الأردن ولو مؤقتًا من كل المطبات السياسية التي نتجت عن حالة الفوضى الإقليمية عقب قرار الرئيس الأمريكي بخصوص القدس، لكن الانطباع متشكل في الوقت نفسه بأن هروب الطاقم الوزاري من استحقاق التغيير أصبح مشروطا عند التعمق في قراءة الوجبة الأخيرة من التلميحات والتقويمات الملِكِية.
لا يوجد عمليا ما يبرر اليوم القول إن الحكومة تستعد للرحيل.
ولا يوجد في المقابل ما يبرر الاعتقاد أن مركز القرار في المؤسسة الأردنية بصدد تغيير كبير في مستوى أدوات الإدارة والحكم او حتى بصدد الاستجابة ولو نسبيا للضغط التي شكلته نخب سياسية وصالونات وأوساط إعلامية وأخرى شعبية بعنوان الحاجة الملحة لطاقم سياسي على مستوى تحديات المرحلة.
الظروف خدمت الرئيس الملقي عندما تمكن بمساعدة كبيرة من رئيس اللجنة المالية في البرلمان أحمد الصفدي من العبور بميزانية التصعيد الضريبي ورفع أسعار الخبز وهي محطة أخفقت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2000 في الوصول إليها.
مادام الملقي قد استطاع إنجاز هذه المهمة التي كانت صعبة في واقع الأمر طوال الوقت، فلا يوجد مبرر سريع للتغيير الوزاري ليس لأن الحكومة أبدعت في إنجاز وظيفتها وواجبها ولكن أيضا لأن الملفات الكبيرة والأساسية والسيادية تدار في واقع الحال خارج النطاق الحكومي.
ولأن وظيفة التكنوقراط التي يمثلها طاقم الملقي لا تزال قائمة بمعنى عدم الحاجة لما هو أبعد من تسيير وتصريف الأعمال البيروقراطية وعدم نضوج ظرف موضوعي يثير شهوة العودة لتجربة الحكومات المعنية بالشأن السياسي لأن تلك قد تكون مجازفة إدارية في ترتيب الأولويات.
ولأن الخطاب الأخير المهم للملك عبد الله الثاني تحدث بتكثيف عن بوصلة تهتم بالمصالح الداخلية والوطنية فوق كل الاعتبارات الإقليمية.
لا يوجد ما يدعم تلك النظرية التي توقعت أن تواجه المؤسسة الأردنية مرحلة ما بعد قرار ترامب الشهير والانقلاب الإسرائيلي على الأردن وسيناريوهات ما يسمى بـ «صفقة القرن» بالعودة الى صيغة تضع السلطة الإدارية العليا والمناصب الرفيعة في أحضان رموز سياسية كبيرة.
ذلك اجتهاد سياسي لا يزال صامدًا في كل الأحوال والاعتراض عليه او حتى مناقشته خطوة تنطوي على وجهة نظر وإن كانت المؤسسة المرجعية تقوّم التوازنات وتجري الحسابات ضمن سياق شامل من معطيات الداخل والإقليم والوضع الدُّولي حيث لا يوجد معلومات عميقة عن ما يجري في المنطقة إلا في مركز القرار ما يسهم في تقليص أهمية الاجتهادات التي اقترحت إغلاق ملف حكومات التكنوقراط والعودة لمربع الحكومات السياسية.
لكن مثل هذا التفويض لا يمكنه أن يكون مفتوحًا بلا سقف لحكومة الرئيس الملقي التي تواجه في الواقع برغم مظاهر الرضا المرجعي عن أدائها سلسلة كبيرة من التحديات والتعقيدات حتى في الإطار البيروقراطي والتكنوقراطي.
هنا حصريا تلمع في الذهن تلك الجملة النقدية الملكية التي أظهرت عدم الرضا عن إنتاجية خطة تطوير القطاع العام التي لا تسير بالتوازي نفسه عند المؤسسات التابعة للحكومة كلها.
برزت على السطح بقوة في تلك الأثناء التقويمات النقدية أيضا للحكومة ومؤسساتها بسبب ما وصف أنه تقصير وعدم متابعة في المجال الحيوي الذي تتيحه أوراق نقاشية ست أصدرها الملك شخصيًا في مراحل عدة.
تمكن الحكومة بعدما دعمها القصر الملكي وأجهزة الدولة من الحصول على ما تريده من قرارات اقتصادية صعبة وغير شعبية من الوصول إلى منطقة بعنوان تحفيز الاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي وترجمة توجيهات القصر ببرنامج الاعتماد على الذات.
تلك كلها عناصر أصبحت مطلوبة من حكومة الملقي اليوم على اعتبار أن تلك مهمتها الرئيسية أصلا ضمن منهجية الانتاج وتصريف الأعمال حيث أن الحكومة غير مطالبة بالانشغال كما كان يحصل في الماضي بالقضايا السياسية المعقدة والكبيرة سواء في الداخل والإقليم او حتى في الخارج والعالم.
والحكومة غير مطالبة ضمنيا بأي تعب أو إرهاق في متابعة الملفات السيادية والأمنية حيث توجد مؤسسات عميقة وعريقة تتولى هذه المهمة وتأمل أن يتوقف المستوى التكنوقراطي والبيروقراطي والوزاري عن إعاقتها فقط لا أكثر.
بمعنى آخر مسارات الانتاج المطلوبة من الحكومة في الأسابيع المقبلة محصورة ضمن العودة للالتزام بالخط الملكي في تطوير القطاع العام وتحسين مستوى الإدارة بصورة تسمح بجذب الاستــثـمار وتـحفيز بيئة الاقتصاد ومعالجة كل العوالق البيروقراطية.
وزارة الملقي في ظل مهمة محددة ومحصورة يدعمها برلمان منضبط مرجعيا ويخدم تصوراتها تصبح بالنتيجة وزارة مدللة جدا وهو سلاح ذو حدين سياسيين لأن مثل هذا الدلال الذي يتيح فرصا إضافية للبقاء أكثر ينطوي في بنيته العميقة على تفويض غير مطلق ويتطلب العمل بكفاية ومهنية في المساحة المخصصة ومن دون تقصير او تبرير او تباطؤ.
وعليه يمكن القول إن فرصة البقاء التي تحظى بها الوزارة اليوم بعد الانعطافة الأردنية الرسمية الحادة في مسألة التمحور الإقليمي وملف القضية الفلسطينية هي فرصة «مشروطة عمليا» بالإنتاج والإنجاز وفي مهام محددة وصغيرة وينبغي النجاح فيها وبسرعة بعدما ضمنت لها مؤسسات الدولة الحماية الكافية والدعم المطلق عند عبور ميزانية مالية صنفت بأنها الأخطر والأقل شعبية بالنسبة لجميع الأردنيين.
السؤال يبقى: هل يستثمر الملقي وطاقمه هذه الفرصة؟ الجواب رهن بالأسابيع القليلة المقبلة لأن الجرس الملكي تم تعليقه في تحديد بعض أهم مظاهر القصور في أداء أكثر حكومات التكنوقراط دلالًا وحظًا.

الأردن وهو يعود للداخل: وزارة الملقي المدللة مع تفويض جديد لكنه مشروط
أنجزت أخطر ميزانية بدعم من الدّولة وأفلتت من تداعيات أزمة القدس
بسام البدارين
مقالات سابقة