دخان معارك إدلب يخيم على العلاقات الروسية ـ التركية

فالح الحمراني

Jan-13

موسكو ـ «القدس العربي»: تواصل قوات النظام السوري هجومها على إدلب رغم قلق منظمة الأمم المتحدة من تداعياته على الوضع الإنساني والاعتراضات التركية من كونه انتهاكا صارخا لاتفاق «تخفيف التصعيد» الذي تراعاه كذلك روسيا وإيران والشكاوى من تعريضه حياة المدنيين للخطر. وتنطوي العملية على سيناريو يهدف إلى تصفية تشكيلات جبهة النصرة والمتحالفين معها، التي من بينها الموالية لتركيا. وتقف انقرة الآن في نقطة حرجة إذ أن نجاح الهجوم سيجعلها في مفترق طرق مع شركيتها موسكو وطهران.
وساعد دعم القوة الجوية الروسية قوات النظام السوري على التقدم بسرعة بالسيطرة على عدد من القرى ومدينة الرهجان الاستراتيجية في طريقها إلى إدلب، والتضييق على مقاتلي الشاكوسية وتركستان و أحرار الشام التي تدور بصورة وثيقة بالمدار التركي. وفي حال تجسيم السيناريو الذي تشن به قوات النظام حملتها، فإن تشكيلات المعارضة المسلحة في إدلب ستجد نفسها منقسمة إلى جزأين، مما سيعني حسب تقديرات المراقبين العسكريين في روسيا «بداية احتظارها». وسيطول ذلك ليس جبهة النصرة، هدف الجانب الروسي في الوقت الحالي، وإنما الجماعات الموالية لتركيا. ومثل هذا التطور سيقود ليس إلى تعزيز مواقع قوات النظام في الشمال وحسب وإنما التشكيلات الكردية أيضا.

الإنذار التركي

وعلى وفق القراءات الروسية فإن رد فعل تركيا الحاد جاء من احتمالات تطور الأحداث وفق ذلك السيناريو، وشملت ردود الفعل التركية على التحفيز على القصف أو محاولة قصف التشكيلات المسلحة الموالية لتركيا حسب معطيات غير رسمية قاعدة حميميم من الدرونات المقاتلة، ولكن الرئيس بوتين قال: «إن تركيا لا تقف وراء تلك الأعمال وإنما محرضون نعرفهم ونعرف كم كم دفعوا لتلك العملية». وتذهب معطيات غير رسمية إلى أن الجانب التركي، وليس الولايات المتحدة أو حلفاؤها كان وراء ذلك القصف. ورصدت مراكز التحليل في روسيا أن تركيا في هذه الحالة كما في حالة تصفية المقاتلة الروسية سو 24 ترسل إشارات لموسكو عن « شعورها « بالقلق من تقدم قوات النظام السوري المدعومة روسيا باتجاه إدلب. ويكشف هذا عن وجود خلافات عميقة مع تركيا في مسألة التسوية السلمية للنزاع السوري.
وعلى خلاف التفسيرات الروسية للتطورات الأخيرة، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات الحكومة السورية وبذريعة مكافحة الإرهاب تقصف المعارضة المعتدلة في محافظة إدلب، لافتا إلى أن من « الضرورة أن تتحمّل إيران وروسيا مسؤولياتهما، إزاء هجمات النظام السوري، على محافظة إدلب المشمولة باتفاق مناطق خفض التصعيد». وأشار الوزير التركي إلى أن «على موسكو وطهران كبح هجمات النظام السوري على مناطق خفض التوتر المتفق عليها»، مشيرا إلى أن من المتوقع أن تحدث بعض الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، لكن ما يحصل في الفترة الأخيرة، من اعتداءات على مناطق خفض التصعيد، تجاوز حد الانتهاكات المتوقعة». واكد أن «قوات بلاده تواصل إنشاء نقاط مراقبة وقف إطلاق النار، داخل حدود محافظة إدلب». واستدعت وزارة الخارجية التركية في التاسع من الشهر الحالي سفراء إيران وروسيا «على خلفية انتهاك قوات النظام وقف إطلاق النار، كما يقول الجانب التركي، في منطقة إدلب التي تندرج ضمن مناطق تخفيف التصعيد.
ويلفت المراقبون إلى أن الجماعات المسلحة تتقاسم النفوذ على المدن والبلدات في محافظة إدلب، التي من بينها جماعة نصرة الشام، وأنه وعلى خلفية تقدم قوات النظام بهجومها على جنوب المحافظة فقد راحت تتنامي الخلافات بين زعماء التشكيلات المسلحة وغالبا ما تسفر عن موجهات مسلحة بين عناصرها مما يؤدي إلى قتل المدنيين. إن هذا يشهد مرة أخرى لصالح من يسيء لتحركات موسكو وطهران ودمشق والقائل: إن النظام وبذريعة مكافحة جبهة النصرة ينزل الضربات بالمدنيين. وثمة قناعات بأن هذا الوضع يمكن أن يحبط التسوية السلمية. وكان وزير الخارجية التركية قد لمح لذلك بقوله: إن على الأطراف التي ستلتقي في سوتشي خلال المؤتمر الوطني السوري المقرر انعقاده في 29ـ 30 يناير/ كانون الثاني، أن لا تتصرف بهذا الشكل». واعتبر مراقبون في موسكو أن ذلك التصريح « إنذارا صريحا يتوجب الرد عليه بصورة مناسبة».

الدور الروسي

وتباينت تقديرات المراقبين الروس في تعليقاتهم على الوضع الناشب في شمال سوريا، البعض طرحوا فرضية مفادها أن القوات الحكومية تقوم بعملية في إدلب بديلة عن القيادة الروسية، منتهكة بذلك نظام تخفيف التصعيد، وتحاول من خلالها كسب نقاط لنفسها عشية مباحثات التسوية السلمية الحاسمة. وذهب بعض الخبراء إلى أن موسكو لا تسيطر بالقدر الكافي على بشار الأسد وأعماله. ويرى البعض الآخر أن « العملية في إدلب وحماه بمجملها تجري برقابة العسكريين الروس الشديدة وباشراف مقرهم والدعم الجوي». وتقول لا أحد يخفي أن عملية تصفية جبهة النصرة في إدلب تجري على أساس مبرمج وأن عام 2018 سيكون عاما حاسما لإلحاق الهزيمة بهذه الجماعة. وتشير بذلك إلى بيانات وزارتي الدفاع والخارجية مما يعني أن القيادة السياسية العليا للبلاد تبنت قرارا مبدئيا بصدد هذا الموضوع. وقالت بعض المعطيات إن هذا القرار جاء بعد أن رفضت تركيا دعم فكرة عقد المؤتمر الوطني السوري بصيغته الروسيه فيما عرقل وفد المعارضة وفقا للرؤية الروسية، مباحثات جنيف. بيد أن الأهم يكمن في أن تركيا امتنعت عن دفع قواتها لتطهير إدلب. والخيار الوحيد كان قيام قوات النظام، مدعومة بسلاح الجو الروسي، بتصفية تشكيلات جبهة النصرة وحلفائها من جماعات المقاومة الموالية لتركيا. وهو ما يجري الآن على الأرض. وقال خبير مركز الدراسات الإسلامية التابع لمعهد الاستشراق الروسي بوريس دولجوف إن القوة الجوية الروسية لعبت دورا رئيسا ومهدت الطريق لقوات النظام بإنزالها ضربات بدفاعات جبهة النصرة.
وعلى خلفية تلك التطورات نشطت التحضيرات لعقد المؤتمر الوطني ولكن من دون مشاركة الجماعات الموالية لتركيا فيما سيحضر الكرد من حزب الاتحاد الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التطور يعني أن الكرد سيشاركون لاحقا في عملية التسوية، مما سيعرقل مشاركة القوى الموالية لتركيا في مثل هذه الأنشطة. وأعلنت إيران على لسان وزير خارجيتها جواد ظريف خلال مباحثاته الاربعاء مع نظيره الروسي سيرغي لافروف أن طهران مستعدة للتحرك في اتجاه واحد مع روسيا. وقال «إننا نلتزم بالتعاون معكم ومع أصدقائنا الأتراك والتحرك في اتجاه واحد من أجل عقد المؤتمر الوطني في سوتشي وإيجاد السبيل المؤدي إلى تسوية الأزمة السورية بالطرق السلمية». ووفقا لقوله فإن اللقاء في سوتشي سيساعد على تحقيق النجاح في مباحثات جنيف الجارية برعاية الأمم المتحدة.
إن كل الدلائل تشير إلى أن معركة إدلب غدت بمثابة مفترق الطرق التي يقف عندها اليوم محور روسيا ـ إيران ـ تركيا. والسؤال الذي يتطلع الخبراء للرد عليه هو فيما إذا ستلتزم تركيا بموافقتها على الانضمام إلى روسيا وإيران في عملية تصفية جبهة النصرة والجماعات الموالية لها، أم أنها ستتمسك بمواقفها الخاصة التي قد تهمش دورها، أم تلجأ إلى التطبيع مع أمريكا والتعاون معها في الشأن السوري!

دخان معارك إدلب يخيم على العلاقات الروسية ـ التركية

فالح الحمراني