عملية إدلب مؤشر على احتدام الحرب في سوريا واستمرار التنافس الإقليمي والدولي

إبراهيم درويش

Jan-13

تؤشر العملية الجديدة في إدلب إلى عدد من الدلالات في الحرب المشتعلة منذ عام 2011 وهي أن المعركة على سوريا لم تنته بعد، وأن المتصارعين لم ينتهوا من تحقيق طموحاتهم، والأطراف الدولية ستواصل التأثير على البلاد سواء عبر الجماعات الوكيلة أو الدبلوماسية التي تقودها ظاهريا الأمم المتحدة وفعليا روسيا. وتحضر الأخيرة لمؤتمر يجمع فصائل من المعارضة السورية وليس كلها بالإضافة للنظام والدولتين الراعيتين لمناطق خفض التوتر إيران وتركيا، وربما حضرت الأمم المتحدة وأمريكا والسعودية. ولو حصل هذا فسيكون فلاديمير بوتين الذي أعلن الانتصار على تنظيم «الدولة» (داعش) نهاية العام الماضي قد حقق ما يريد، أي شرعنة مساره التفاوضي على حساب مسار جنيف الذي عقدت فيه ثماني جولات عبثية بدون أي تقدم حيث ظل الجدال يدور عن سوريا بالأسد أم بدونه.
وعليه تكتسب العملية في إدلب أهمية خاصة نظرا لأنها تشير لاستمرارية الحرب وإمكانيات تواصلها عام 2018 فإن كان عام 2017 هو عام ملاحقة تنظيم «الدولة» الذي طرد من معاقله الرئيسية في كل من العراق وسوريا فهذا العام قد يكون عام الغوطة وإدلب التي يعيش فيها أكثر مليوني سوري وهي أكبر منطقة خاضعة للمعارضة لنظام بشار الأسد. وتأتي العملية بناء على إنجازات العام الماضي حيث وسع النظام في دمشق من مناطق سيطرته  في الشرق ونجح بالتخلص من بعض الجيوب المحاصرة ضمن اتفاقيات خفض التوتر ونقل المقاتلين وعائلاتهم بالحافلات إلى إدلب. وفي الوقت نفسه تشرذمت المعارضة العسكرية وقطع حلفاؤها الخارجيون عنها الدعم العسكري والمالي فيما همشت المعارضة السياسية.
ولم تعد مسألة خروج الأسد من السلطة مطروحة في الخطاب السياسي الغربي والأمريكي إلا من ناحية تأكيد تكرار الموقف لا الحديث عن الواقع الذي يجري على الأرض. ولا يبدو أن العملية الأخيرة للنظام تهدف للسيطرة على كامل المحافظة، فقد نقلت مراسلة «بي بي سي» ليز دوسيت عن مسؤولين سوريين قولهم إن روسيا لا تدعم حملة واسعة لاستعادة المحافظة، وربما وجد الأسد فرصة خاصة أنه تعهد باستعادة كل «شبر» من سوريا خسره منذ عام 2011. وتظل في النهاية عملية ذات أهداف محددة وهي تأمين الطرق إلى حلب والساحل والسيطرة على مطار أبو الظهور والمناطق ذات الكثافة السكانية القليلة كمقدمة للتقدم نحو مدينة إدلب إلا أن هذا يعتمد على قدرة الروس الحصول على موافقة تكتيكية من الأتراك أم لا. وفي الوقت الحالي اعترضت أنقرة على لسان وزير خارجيتها، خاصة أن لديها نقاطا عسكرية في المنطقة وتخشى من تدفق موجات جديدة من اللاجئين حيث قدرت الأمم المتحدة عدد النازحين بسبب العملية الأخيرة بحوالي 100.000 شخص.
 وربما ناقش النظام السوري وداعموه أن المناطق التي يستهدفها ليست خاضعة لاتفاقيات خفض التوتر وأن الجماعة المعارضة التي تسيطر عليها هي «هيئة تحرير الشام» التي تعتبرها روسيا والولايات المتحدة منظمة إرهابية. وفي ضوء تردد جماعات المعارضة المشاركة في مؤتمر «الحوار الوطني» في منتجع سوتشي فالمواجهة مستمرة ليس فقط في منطقة إدلب ولكن مع ما تبقى من جيوب للمعارضة وهي الغوطة الشرقية التي كثف النظام ضرباته الجوية عليها والحصار في محاولة منه لوقف إنطلاق الصواريخ إلى العاصمة دمشق. وهناك الرستن قرب حمص ومناطق الجنوب المتاخمة للحدود الأردنية والإسرائيلية بالإضافة إلى إدلب. وربما تم إقناع الرستن والجنوب بتوافقات وتظل جبهتا الغوطة وإدلب وهما أقوى الجبهات العسكرية المعارضة للنظام الذي سيتعامل معهما بالقوة.
ويقدر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن هناك 417.000 سوري لا يزالون يعيشون في المناطق المحاصرة وغالبيتهم في الغوطة. فعملية عسكرية في الغوطة وإدلب ستكون عنيفة وتؤدي لضحايا وتخلق أزمة لجوء جديدة. ولا بد من الإشارة إلى أن الحرب لم تتوقف حتى في ظل اتفاقيات خفض التوتر وظل النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون يخرقون الاتفاقيات بشكل مستمر. واعتبر نظام الأسد هذه الاتفاقيات بمثابة «راحة» لقواته كي يركز على جبهة الشرق ومواجهة تنظيم «الدولة» والسيطرة على جزء من المناطق التي خرج منها ومنع قوات سوريا الديمقراطية، ذات الغالبية الكردية من التقدم أكثر. وأدت التطورات في العام الماضي واستمرار الدعم الروسي والإيراني إلى تعزيز موقع بشار الأسد.
وتأمل روسيا أن يتعزز النظام أكثر من خلال مؤتمر سوتشي الذي دعت إليه أطراف من المعارضة السورية وحتى الكردية بصفة غير رسمية. وتريد أن تعقد تفاهمات بين النظام والأكراد وتبادل مناطق خاصة الرقة مقابل اعتراف دمشق بمنطقة حكم ذاتي كردية على طول الحدود السورية مع تركيا. ويرى أستاذ العلاقات الدولية في كلية كوين ماري في جامعة لندن بتحليل نشره موقع «ميدل  إيست آي» (10/1/2018) أن سوتشي سيقوي من موقع الأسد، ملمحا إلى أن المحور الثلاثي ـ موسكو وطهران ودمشق لم يبد نزعة تصالحية خلال الحرب الدائرة منذ 6 أعوام ولن يفاجأ أحد لو تم تعويق أي اتفاق أو تجاهله. وعليه فمهما حدث في سوتشي فلن يكون نهاية للحرب لأن الديناميات المحلية والإقليمية والدولية تؤشر إلى أن الحرب ستتواصل خلال عام 2018 لأسباب منها إيمان الأسد وداعميه بالحل العسكري وهزيمة ما تبقى من جيوب للمعارضة. أما الثاني فهو الملف الكردي والذي يمكن أن يتحول إلى مواجهة مع النظام. صحيح أن قوات النظام السوري تواجه قوات سوريا الديمقراطية اليوم على ضفة نهر الفرات إلا أن ما يمنع المواجهة اليوم هو سيطرة الطيران الأمريكي على الأجواء السورية و10 قواعد عسكرية في مناطق الأكراد بالإضافة إلى 3.000 جندي أمريكي. لكن الحماية الأمريكية ليست مضمونة رغم تأكيد البنتاغون. وفي ظل رئيس متقلب في البيت الأبيض واستعداد الأمريكيين التخلي عن المصالح الكردية كما كشفت أحداث كركوك في تشرين الأول /أكتوبر 2017 فأكراد سوريا يشعرون بالقلق. وفوق كل هذا فتركيا غير راضية عن الدعم الأمريكي لحزب تعتبره فرعا لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يخوض حربا ضد الدولة التركية. وعلى المدى البعيد فلن تستمر القوات الأمريكية في الانتشار في مناطق الأكراد وسيجد النظام السوري طرقا للتأثير على منطقة الحكم الذاتي إما من خلال التلاعب السياسي أو المواجهة العسكرية. وهناك عامل ثالث وهو إسرائيل التي لا تريد وجودا إيرانيا ولحزب الله على الأراضي السورية، وكثفت من غاراتها على القوافل العسكرية في داخل سوريا. وهناك فرص لأن تندلع الجولة المقبلة من الحرب مع حزب الله على أرض سوريا ولبنان أيضا.
 وعلى العموم فربما ربح الأسد الحرب إلا أن معركة السلام طويلة وشائكة. ففي ظل الغياب الأمريكي عن الساحة وتسليمها الملف الدبلوماسي لروسيا تحاول هذه عملية السلام والتمسك بالأسد فيما تريد المعارضة السلام بدون الأسد. وهناك نوع من التقبل الدولي لدورالروس. ففي مقال لكولام لينتش بـ «فورين بوليسي» «الرقص على النغمة الروسية» (8/1/2018) تحدث فيه عن قبول الولايات المتحدة والسعودية، وحتى المبعوث الدولي إلى سوريا بدور روسي أوسع في حل الأزمة السورية. ويشير إلى ما قاله وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لوفد من المعارضة السورية في 24 كانون الأول /ديسمبر دعاه إلى الرياض ليخبره بأن السعودية ستخفف من جهودها الداعمة للإطاحة بنظام بشار الأسد. وقال الجبير إن الوقت قد حان لأن تكرس المعارضة جهودها وتأمين تسوية سياسية مع دمشق، من خلال مؤتمر السلام المقرر في سوتشي. وأكد الوزير السعودي أن المعارضة لو كانت جاهزة بالقدر الكافي فستؤمن اتفاقا لعملية نقل السلطة. ويعتقد لينتش أن ما نقله إليه مسؤولان في المعارضة أن «دعوة الجبير تعد إشارة أخرى على تراجع حظوظ المعارضة السورية للأسد والمحاصرة، التي خسرت الدعم السري من الحكومة الأمريكية.
وتؤكد الرسالة السعودية نجاح الدبلوماسية الروسية، ومحاولتها تشكيل مستقبل سوريا ما بعد الحرب التي باتت تنافس جهود الأمم المتحدة في جنيف التي عانت الفشل على مدار السنوات الخمس الماضية». ويتحدث لينتش عن خلاف في الأمم المتحدة حول مزايا المشاركة في سوتشي من عدمها، فالمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا يعمل من وراء الستار لتأمين مقعد في سوتشي ويحث السعوديين والمعارضة السورية على المشاركة. ويعتقد لينتش ان سيطرة الروس على الملف السوري أصبح متاحا بسبب التردد الأمريكي حيث ركزت إدارة دونالد ترامب على محاربة تنظيم «الدولة»، ومنع إيران من تشكيل مستقبل البلد الذي مزقته الحرب. ولخص المبعوث الأمريكي السابق إلى التحالف الدولي لإضعاف تنظيم «الدولة» وهزيمته الجنرال المتقاعد جون ألن الحال بالقول: «تقوم روسيا بتحديد المسار السياسي ومن أكثر من منحى. للأسف لم يعد للولايات المتحدة سوى قدرة بسيطة على ممارسة دور قيادي أو المشاركة في هذه العملية». ويربط الكاتب بين مؤتمر سوتشي ومحادثات أستانا التي بدأت في كانون الثاني /يناير 2017 بمشاركة إيرانية وتركية وتغيب أمريكي حيث تركز الحديث على مناطق خفض التوتر. أما سوتشي فتريده أن يكون بمثابة النقطة الذي تنطق منه عملية تشكيل مستقبل سوريا وتأمل أن يكون الأسد من ضمن التسوية. وعبرت الدول الغربية وأطراف المعارضة أن يؤدي سوتشي لأخذ زمام المبادرة من جنيف، خاصة أن هناك من يرى في موسكو عاملا من عوامل الأزمة لا الحل. ويرى لينتش أن عملية جنيف لم تعد قابلة للحياة وهذه مشكلة، فالدعم العسكري الذي قدمه الجيش الروسي للأسد جعل من حكومة دمشق أقل استعداد للتخلي عن الحكم مقابل عملية نقل للسلطة، وهو عنصر مهم في خطة جنيف. بالإضافة إلى أن واشنطن لا تفعل الكثير من أجل إبقاء عملية جنيف على قيد الحياة. واشتكى الحلفاء الأوروبيون، وإن بطريقة هادئة، من أن الولايات المتحدة لم تستخدم تأثيرها لدعم عملية جنيف.
 فمن خلال الرسالة السعودية للمعارضة والانقسامات داخل الأمم المتحدة فإن هناك في الحقيقة من يتحمل العبء: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع أن مسؤولين في إدارة ترامب يزعمون أن الولايات المتحدة لها نفوذ في سوريا أكثر من ذي قبل، خاصة أن الأكراد يسيطرون على مناطق واسعة، وهناك قوات أمريكية على الأرض.

عملية إدلب مؤشر على احتدام الحرب في سوريا واستمرار التنافس الإقليمي والدولي

إبراهيم درويش