عبد العزيز أفتاتي القيادي في حزب «العدالة والتنمية»: إعفاء بن كيران انقلاب ثان على المسار الديمقراطي بعد الانقلاب الأول على اليوسفي

حاورته: سعيدة كمال

Jan-13

عام «البلوكاج «. بهذا يمكن تلخيص سنة 2017 في المغرب سياسيا وأيضا اجتماعيا، كما تميز العام باحتجاجات اجتماعية طويلة النفس في منطقة الريف شمال المغرب، وانتهت السنة لتبدأ أخرى على وقع حراك آخر اندلع في مدينة جرادة شرق البلاد. في هذا الحوار مع عبد العزيز أفتاتي وهو قيادي بارز ومثير للجدل في صفوف حزب العدالة والتنمية، يحدث «القدس العربي» عن كل ذلك. وهنا نص الحوار:
○ بالرغم من تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج انتخابات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلا أنه عرف وضعا داخليا استتثنائيا بدأ مباشرة بعد أزمة تشكيل الحكومة أو «البلوكاج» الحكومي؟
• البلوكاج كان عملية مدبرة للانقلاب على الانتقال الديمقراطي وعلى عبد الإله بن كيران، بعد إفشال آخر محاولة للانتقال التي كانت مع عبد الرحمن اليوسفي، كان «بلوكاجا» له أغراض انقلابية على العملية الديمقراطية، لأن هناك من يعتقد أنه يمكن أن يسود بدلا من الشعب، وتلك الجهات ما زالت تحلم بالتحكم في القرار السياسي والثروة، ولذلك قامت بالعملية الانقلابية ضد محاولة الانتقال الديمقراطي التي كان يدبرها بن كيران.
○ كيف تنظر إدارة الحزب وعبد الإله بن كيران لتلك المرحلة؟
• إدارة المعركة لم تكن سهلة. لأن الجهة التي تقف خلف العملية الانقلابية، لها أجندة رهيبة. لذلك فإدارة هذه المعركة لم تكن مسألة هينة أبدا. كانوا يريدون إزاحة بن كيران، لأن في إزاحته نوع من الحيلولة دون التوجه الانسيابي نحو الملكية البرلمانية. والحيلولة دون استمرار بن كيران كانت تعني عرقلة التدرج والتقدم في إعمال المنهجية الديمقراطية، وتعني عدم السماح لرئيس الحكومة أن يشكل تحالفه حسب إرادته، انسجاما طبعا مع مخرجات الاقتراع. الإزاحة كانت تروم عدم السماح لبن كيران بتشكيل فريق منسجم، لذلك فالأمور كلها تشكل إضرارا بالانتقال الديمقراطي.
○ تم إعفاء بن كيران وتعيين العثماني خلفا له وتم تشكيل الحكومة في ظرف قياسي مقارنة مع ما استغرقه بن كيران.
• كانوا يريدون شق الحزب لنصفين، ضرب الحزب بالحزب من خلال إعفاء بن كيران واختيار العثماني على أساس أن يكون هذا الاختيار نقيضا للمسار وللاختيارات السابقة وهذا الذي حاولوا إبرازه بكل الطرق وألحقوا ضررا بليغا بالفريق وبالتحالف، حيث أنه تم فرض جزء من التحالف ومن الفريق الحكومي من خلال استثمار الظروف الدولية والإقليمية، والاستثمار في علاقات المغرب ببعض شركائه سواء الشريك المرجعي أو الشركاء العشائريين.
○ وتم لهم ذلك عن طريق العثماني؟
• لا، ليس عن طريق العثماني. تم لهم ذلك من خلال الاستثمار في المعطيات الإقليمية والدولية، والذي وقع هو عملية إعاقة للانتقال. القضية ليست مرتبطة بالنيل من العدالة والتنمية بمفرده وإنما هو نيل من المسار الديمقراطي.
○ الحزب رغم أنه قرر، التفاعل الإيجابي مع بلاغ الديوان الملكي، إلا أن العثماني تلقى ضربات موجعة من إخوانه بلغت حد التخوين، هل كان لزاما عليه أن يتبع منهج بن كيران؟
• القضية ليست مرتبطة بالعثماني. هي قضية حزب. لأن الحزب هو الذي أدار العملية بعد الإزاحة السلطوية لبن كيران، ولذلك أنا لا ألوم العثماني. إذا كان من لوم فيجب توجيهه للحزب برمته، وأتصور أن الرد الذي كان مناسبا ساعتها هو الدعوة لانتخابات سابقة لأوانها، مع الأسف الحزب اختار اختيارا آخر، ومع ذلك فالجهات النكوصية لم تكتف بهذا وحاولت أن تضرب الحزب بالحزب، وحاولت أن تبرز قدرا كبيرا من المواجهات البينية ومن التناقضات داخل العدالة والتنمية وذلك بتصوير الأمور على غير ما هي عليه، حيث أنهم يحاولون تقديم أن هناك تنازلا للعثماني بعدما كانت هناك ممانعة لبن كيران.
○ أليست هذه هي الحقيقة؟
الحقيقة أن الحزب برمته هو الذي تعاطى مع الموضوع، لنكن واضحين. ولذلك كم من مؤاخذة ينبغي أن يؤاخذ عليها الحزب؟ لو أراد الحزب أن يذهب لانتخابات سابقة لأوانها لذهبنا إليها، لكن كانت له رؤية أخرى من خلال تقديرات ما. لذلك فليس سليما وليس من الصحة أن نخص العثماني باللوم، والحزب كان ينبغي أن يذهب في اتجاه انتخابات مبكرة بعد إعفاء بن كيران. كان ينبغي أن نعود للشعب، وآنذاك إذا كان لهم ما يكفي من التجاسر على إرادة الشعب فليمضوا في تزوير الانتخابات.
○ بعد تشكيل الحكومة، ظل قياديون من داخل الحزب يوجهون اللوم للحكومة ويصفون أدائها بالباهت ويوجهون الأصابع للعثماني، هل كان بن كيران سيقوم بما لم يجرؤ عليه العثماني؟
• بن كيران لم يعد ممكنا أن يكون، لذا يجب أن ننتهي من الحكاية ونواجه مصيرنا بشكل موضوعي. ولذلك إما أن نؤطر العثماني لكي نرفض ما نتصور أنه ينبغي أن نرفضه، وينبغي أن نقر أن هذا الذي يتم، بتم بإرادة الحزب.
ما يقوله الإخوان حول العثماني غير سيلم وبدلا من أن يواجهوا الجهات التي تسببت في الوضع، يواجهون جزءا من الحزب، وجزءا من مقومات العملية الديمقراطية ومن رموز العملية.
○ وكأنك تقول أن من يوجهون انتقادهم للعثماني يلتفون على التناقض الأساسي؟
• هذه معركة خطأ، وينبغي على الإخوة والأخوات أن يتوقفوا عن خوضها. المعركة مع الجهة التي تسببت في الالتفاف على الانتقال الديمقراطي، الجهة التي أزاحت بن كيران، والتي فرضت جزءا من التحالف وجزءا من التحالف الحكومي، الجهة التي تسعى أن تكون الإدارة خارج توجيه الحكومة. المعركة يجب أن تتوجه إلى هؤلاء.
○ وهل ترى أن العثماني ومناصريه قادرون على توجيه البوصلة نحو الجهة التي تتحدث عنها؟
• ليس هناك عثماني ومناصروه، العثماني يتحمل المسؤولية باسم العدالة والتنمية ولذلك إما أن نستعيد المبادرة من خلال مجموعة من الأمور بما فيها رئاسة الحكومة أو أن نقول للعثماني بأن يطلب انتخابات سابقة ويعيد المفاتيح لصاحبها. هناك اختياران لننهي الحكاية، لا يمكن أن نستمر في هذه المقاربة لأنها خاطئة والعدالة والتنمية قوامه بن كيران والعثماني.
○ في المؤتمر الأخير أثير جدل حول مخرجاته، ما إن كانت فعلا انتصارا للديمقراطية الداخلية أم تهميشا لبن كيران وتغليب صوت واحد؟
• أهم رسالة بعثها مؤتمر حزب العدالة والتنمية هي أنه مستعد لكلا الخيارين، لأن يستعيد المبادرة من خلال إسهام الحزب والطليعة المجالسية والبرلمانية ومن خلال رئاسة الحكومة، أو أن يستعيد المبادرة من خلال أرض الله الواسعة. هذه هي أبلغ رسالة للمؤتمر.
○ هناك من يرى التصويت بين المقرب من بن كيران والعثماني تعبير على شرخ صارخ داخل الحزب.
• ليس هناك شرخ، هذا الشرخ موجود في خلفية الدولة العميقة والدولة الموازية والتي هي اليوم في مأزق كبير.
○ خلال المؤتمر تحفظت على أن الحجج التي تقدم بها رافضو الولاية الثالثة (يقاطع)؟
• نعم هي حجج غير مقنعة، لأنه لما تم تعيين العثماني لم يكن أمينا عاما للحزب، وكان يمكن أن يستمر رئيسا للحكومة بدون أمانة عامة. ولا أتصور أنه يمكن أن ننتج حلا دون أن نبقى موحدين في المعركة.
○ بن كيران خرج من رئاسة الحكومة بقرار من السلطة، هل خروجه من رئاسة الحزب كان بقرار أو لنقل بتأثير من السلطة؟
• هذا أمر جزئي، في المؤتمر كان حاضرا عندنا النقاش السياسي، وأن أقصر الطرق لاستعادة المبادرة هو التمديد لبن كيران بحكم الالتفاف الكبير حول شخصه، لكن هذا النقاش السياسي اختلط بنقاش مسطري وديمقراطي داخلي، حيث أن مجموعة من الإخوة والأخوات لهم حساسية تجاه موضوع مراجعة إجراءاتنا وأعرافنا باعتبارنا مدرسة عريقة في الديمقراطية، فاختلط عندهم الأمر وبقيت حاضرة المقاربة المسطرية وطغت على السياسية التي استندت على أن اليوم هناك وضعية استثنائية في المغرب وتتطلب حلولا استثنائية.
○ خروج بن كيران وعدم التمديد له كان إجراء مسطريا فقط ـ لا يد للسلطة فيه؟
• حضرت في التمديد إرادة جزء من الإخوة، لا علاقة للضغوطات أو الإملاءات، وبعيدا عن تأثير السلطة، لأن هناك إخوة لهم حساسية تجاه المساطر، تشبثوا بولايتين ويقولون أن بن كيران يمكن أن يناضل من أي موقع وليس فقط حتى يكون أمينا عاما. لقد اختبر أكثر منذ عشرين سنة تجربة ولايتين داخل حركة التوحيد والإصلاح وداخل الحزب.
وهناك من استحضر البعد السياسي في عدم التجديد لبن كيران ويقول أن هناك وضعا سياسيا لا يمكن للحزب أن يتحمله ومن الأحسن أن يتجنبه، لكن جزءا من الإخوان ليس هذا ما تحكم في قرارهم بل حكمتهم مقاربة داخلية مرتبطة بالبنيان وليس بالنقاش السياسي. الحلقية والدوران حول الأشخاص ألخ هذه قناعتهم.
○ هل لإعفاء بن كيران ورفض التمديد له، وقعا على مسار «الدمقرطة» في المغرب؟
• أن هناك إرادة واضحة للدولة العميقة، وهي تجريف الانتقال الديمقراطي، ولكن هل ستستطيع النجاح في ذلك؟ أنا لا أعتقد. لا يمكن أن نعود بالمغرب إلى بداية الخمسينية السابقة والالتفاف على إرادة الشعب، فاليوم هناك منسوب وعي كبير والتزام كبير في صفوف المواطنين، والمواطنون سفهوا الدولة العميقة في أكثر من مناسبة بما في ذلك في مناسبة الانتخابات، وبالتالي أزاحوا بن كيران ولم يستطيعوا إزاحة الحزب، والتفوا على جزء من التحالف وليس التحالف بأكمله وبذلك ألحقوا أضرارا جسيمة بالمسار لكنهم لم يحسموا المعركة ويصعب عليهم حسمها وأنت تتابعين ما يحدث في أكثر من إقليم في الحسيمة وفي جرادة حاليا، حيث يتبين أن الدولة العميقة في مأزق كبير جدا ولا يمكن أن تؤطر الناس بالبؤس والخزعبلات.
○ تكرر كثيرا «الدولة العميقة» ليس عندك شك في وجودها وفي مسؤوليتها في ما يقع؟
• ليس عندي أدنى شك في أن هناك دولة عميقة موازية حقيقية تشتغل على المؤسسات على مدار الساعة، لكن أعتقد أن إرادة الشعب اليوم فوق كل شيء.
○ هل النقد الذي تم توجيهه للأحزاب والفاعلين السياسيين والإجراءات التي تم اتخاذها في إطار هذا «الزلزال» ربط المسؤولية بالمحاسبة ووقف على المسؤولين الحقيقيين؟
• لا أتصور أن هناك من سيتأسف على إزاحة عناصر الإدارة الترابية وخاصة كبيرهم الذي علمهم السحر، ولكن ينبغي الانتباه إلى ضرورة إعمال الدستور في المحاسبة، لا يمكن القفز على الدستور في العملية.
○ كيف تنظرون إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات والذي كان هو ركيزة هذه القرارات؟
• هناك ملاحظات على كيفية استدعاء المجلس والتدخل، ملاحظات تتعلق بنوع من الانزياح المؤسساتي في استدعاء هذه المؤسسة.
○ هل سيكون للإعفاءات تأثير على أداء الحكومة؟
• هذا هو المراد وخاصة الإعفاءات التي طالت وزراء التقدم والاشتراكية والتي تدخل في إطار قص أجنحة العدالة والتنمية.
○ حتى الساعة لم يتم تعويض الوزراء الذي أعفوا بآخرين، هل نحن أمام «بلوكاج « ثان؟
• هناك جهة تريد الظهور في كل مرة أنها سيدة الموقف وليست المؤسسات والحكومة ورئاسة الحكومة، وتريد أن تقول للشعب أنها حاضرة ومستمرة وقراراتها لا ترد ومساعيها لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها وهي التي تقرر، وبذلك فالعملية واضحة، هناك دولة عميقة تشتغل.
○ منذ نهاية 2016 وبالتوازي مع بداية «البلوكاج» انفتحت كذلك ملفات اجتماعية كبرى، من ضمنها حراك الريف؟
• هذا من المؤشرات الكبيرة على أن الدولة العميقة في مأزق حقيقي وكبير. لأن الذراع السياسي للدولة العميقة هو الذي يؤطر الجهة وكثير من الأقاليم في الشمال بما فيها الحسيمة، وهذا «البؤس» (الحديث عن حزب سياسي..) من صنيعتها. حيثما وجد البؤس تجد الدولة العميقة في مأزق، وفي كلا الجهتين (حسيمة وجرادة) هناك بؤس حزبي وبؤس اقتصادي وهناك رجال أعمال «فبركتهم» الدولة «فبركة» كاملة وهم من يمولون «البؤس السياسي» ودعموا ليسيطروا على المجالس وفي الجهتين هناك جمع رهيب بين السلطة والثروة.
○ كيف تنـظر إجمالا لمقاربة الدولة للاحتـجــاجات المتـصــاعدة في الريف أو زاكورة وحاليا جرادة؟
• ليست هناك أي مقاربة، فالمقاربة الحقيقية هي إعمال سيادة الشعب، ليست هناك مقاربة وجيهة دون الرضوخ لإرادة الشعب وعدم التدخل في صناعة المنتخبين وعدم التدخل في صناعة الثروات المشبوهة، هذه هي المقاربة المطلوبة. المطلوب سيادة الشعب على السلطة وعلى الثروة.
○ كيف تنظر للأفق السياسي والديمقراطي؟
• بعد 20 شباط/فبراير2011 لم يعد في إمكان أي جهة أن تلتف على إرادة الشعب المغربي، اليوم يثبت الشعب أنه متشبث ومتمسك أكثر من أي وقت مضى بالكرامة وبالحياة، ولا بد أن يستجيب القدر. ونحن أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق مراد الشعب في سيادته على السلطة والثروة أي بناء الديمقراطية الحقيقية.

عبد العزيز أفتاتي القيادي في حزب «العدالة والتنمية»: إعفاء بن كيران انقلاب ثان على المسار الديمقراطي بعد الانقلاب الأول على اليوسفي

حاورته: سعيدة كمال