أصوات تنادي بمنع الحجاب في المدارس البريطانية ونشطاء مسلمون يعتبرون ذلك تمييزا وإخلالا بحرية المعتقد

الطالبات المحجبات عرضة للمساءلة في بريطانيا

وجدان الربيعي

Jan-13

يبدو ان عدوى حظر الحجاب في المدارس انتقلت من فرنسا وبعض الدول الغربية إلى بريطانيا التي تتباهى بحرية التعبير والمعتقد، ما يقلق المهاجرين المسلمين أن القضية تأتي ضمن ما يعرف بمسلسل مكافحة الإرهاب الذي أخذ أشكالا عديدة أعاقت ممارسة المسلمين لطقوسهم الدينية. وكان من أبرز تلك المعوقات «الإسلاموفوبيا» التي تسببت في ازدياد مشاعر وسلوك الكراهية ضد المسلمين وكل الرموز الدينية الإسلامية، أما الضحية الأكبر فكانت المرأة المسلمة المحجبة تحديدا والتي تعرضت في الآونة الاخيرة إلى الكثير من التمييز بسبب لباسها وحجابها سواء في العمل أو المدرسة أو الشارع، كما أصبحت ضحية لإعتداءات مثل الضرب والبصق ورش مادة «الأسيد» مما اضطر السلطات إلى إجراء تدابير أمنية لحمايتها في حال تعرضت للخطر.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تطور إلى مشروع قرار أعلنت عنه «أوفستيد» وهي هيئة تفتيشية للمدارس تابعة لوزارة التعليم البريطانية، عن إجراء استجوابات للطالبات المسلمات وتحديدا في المرحلة الإبتدائية وذلك لمعرفة إن كان إرتداء الحجاب في هذه السن المبكرة ناجما عن ممارسة ضغوط عليهن من قبل العائلة. لكن مشروع القرار لم ينفذ بعد حيث اعتبره البعض يمس بحرية المعتقد وقد تم توقيع عريضة رفضا للإعلان من قبل أكثر من ألف أكاديمي بريطاني من الجامعات البريطانية معتبرين الإعلان خرقا للحريات الدينية، بينما يرى البعض الآخر أنه يجب منع أي شكل من أشكال الرموز الدينية تشمل مختلف الديانات ليشعر الأطفال انهم ينتمون لمجتمع واحد ولا فرق بين أحد.
لكن التخوفات تكمن في مدى تعارض حظر الحجاب لو تم مع حرية المعتقد والعلاقة بين الحجاب واضطهاد المرأة كما يرى بعض الغربيين وهل منعه في المدارس البريطانية يعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان؟ وما مدى خطورة الربط بين الحجاب والإرهاب في المجتمعات الغربية؟ وهل هناك تقصير في التعامل مع هذا الموضوع من قبل أئمة المساجد والمراكز الإسلامية في بريطانيا؟
تساؤلات طرحتها «القدس العربي»على أكاديميات وناشطات مسلمات يقمن في بريطانيا.

أجندة ممنهجة

لانة الصميدعي، عضو رابطة دار السلام العراقية ورئيسة جمعية المرأة المسلمة سابقا تقول لـ«القدس العربي»: منذ أحداث 11 ايلول/سبتمبر حتى الآن ونحن نعاني من مسلسل اسمه مكافحة الإرهاب. وهناك أجندة ممنهجة تستهدف تدمير الإسلام والمسلمين والضغط عليهم، والحجة هي مكافحة الإرهاب التي تخترق الحرية الدينية وبالذات للمسلمة كونها تتميز بحجابها. ونفاجأ قبل فترة قريبة بإعلان مؤسسة «أوفستيد» أنها ستبدأ في استجواب الطالبات المحجبات في المدارس البريطانية. نعم نحن الآن نواجه تحديا كبيرا. وعلمنا أن مشروع قرار الاستجواب سوف يكون بطرح الأسئلة على التلميذة المحجبة كالتالي: من ألبسك الحجاب؟ هل تلبسين الحجاب بناء على رغبتك؟ هل أنت مجبرة على ارتداء الحجاب؟
وتضيف: لك ان تتصوري حجم المصيبة المقبلين عليها. نحن نعتبر الحجاب جزءا من ديننا وإيماننا، لكن عندما تؤخذ الطالبة للاستجواب فسوف تكون لها تبعات كبيرة، وكيف ستكون أصلا نفسية الطفلة؟ هناك مظاهر دينية أخرى في المدارس البريطانية لا تخص المسلمين فحسب بل السيخ واليهود والمسيحيين والسؤال لماذا هذا التمييز الواضح ضد المسلمين عن سواهم؟
نتعامل في عالم متناقض وفقط يسلط الضوء على المسلم ولا ندري لماذا، في بلد يزعم انه يرعى الحريات.

حقوق الإنسان

أما الدكتورة فلة لحمر، الأكاديمية والباحثة في المجال التربوي والاجتماعي، فتحدثت عن المخاوف المتأتية من وراء هذا القرار إذا تم تفعيله على أرض الواقع بالقول: عدد المسلمين في الغرب بين 9 إلى 15 مليونا، وهم موزعون بين الدول الأوروبية المختلفة، هذه الجاليات تناقش قضاياها من زاوية كيف يتم دمجها في المجتمع الأوروبي والمرأة تأتي كمفتاح لسياسة الدمج في المجتمع الأوروبي. المشكلة ليست في ان المرأة يجب ان تقوم بدورها في المجتمع الأوروبي، ولكن المشكلة تكمن في عدم قبول المجتمع الغربي لهويتها وحجابها وهذا ينافي إعلان حقوق الإنسان في حرية المعتقد والملبس.
لا نستغرب عندما تحدث ديفيد كاميرون عن المسلمات على انهن «مستسلمات» وإنهن يحتجن للتعليم، وإنه يجب عليه أن يضع ميزانية من أجل دمجهن في المجتمع البريطاني وتعليمهم اللغة الانكليزية.
وتضيف: للأسف نجد اليوم المشرفة على «أوفستيد» وهي الهيئة التفتيشية الخاصة بالمدارس وأن المفتشية العليا لهذه الهيئة بعد اجتماعها مع مجموعات ضغط ضد الحجاب، تعلن ان من حق المفتشين أن يسألوا الطالبات المسلمات المحجبات في المرحلة الابتدائية عن سبب ارتدائهن للحجاب، وهذا يعرّض الصغيرة للخوف وهي لا تملك القدرة على الرد على من يستجوبها من الكبار فستكون في موقف ضعف وتتعرض هويتها للتهديد.
وترى لحمر ان هذه الممارسات لو نفذت ضد المحجبات فستخلق نوعا من التوتر في المجتمع البريطاني من زاوية ان الإجراء يعتبر تمييزا ضد المسلمين.
وقد شاركت د. لحمر في التوقيع على عريضة ترفض إعلان «أوفستيد» من خلال لائحة اعتراض ورسالة وقعها أكاديميون وأساتذة جامعيون ورجال دين بريطانيون، حيث وصل عدد التوقيعات إلى أكثر من ألف ومئة وستة وثلاثين توقيعا، واعتبر الموقعون ان هذه الخطوة هي بمثابة تمييز خطير ضد المرأة المسلمة وضد حرية المعتقد.
وهي تعتبر ان هناك أصواتا تريد تشويه مفهوم الحجاب كخطوة أولى من أجل التقليل من قيمة المرأة المسلمة والتعامل معها بشكل استثنائي سلبا.
والخطوة التالية لاستجواب المحجبات ان ينتقل ليصبح مؤسساتيا وبالتالي سيفتح باب النقاش حوله واسعا، وستوضع المرأة المسلمة في فئة المستثناة من بقية أولياء الأمور الذين لهم الحق في تنشئة أبنائهم باللباس الذي يريدون، ومحاولة الإيحاء بأنها مختلفة ودون المستوى وغير أهل للتعليم، ولذلك يسمحون لأنفسهم أن يسألوها عن طريقة تربيتها لأولادها والتحقق من انهم يتلقون الرعاية الصحيحة. فالبنت المسلمة هنا تتعرض لتمييز عنصري من مؤسسة تعليمية وهذه نقلة خطيرة ولها تبعات لا تحمد عقباها إذا لم يتم التحرك لوقفها.

معتقدات الناس

وترى أسماء حنيف، وهي بريطانية مسلمة من أصل باكستاني، أن الوضع سيكون صعبا على الأسرة المسلمة التي تريد أن تنشأ بناتها على تعاليم الإسلام الصحيح وأن تدخّل «أوفستيد» من خلال استجواب المسلمات في المدارس سوف يؤثر على علاقة البنات بأهلهن وسيعيق تربية الأهل لهن على الطريقة التي يرونها مناسبة لتنشئتهن. يريدون تغيير معتقدات الناس على طريقتهم للأسف وهذا ينافي احترام الحريات الدينية التي تتباهى بها المملكة المتحدة.
لكن حنيف من جانب آخر ترى انه بالرغم من ضرورة احترام معتقدات الآخرين إلا ان لبس الحجاب لا يجب ان يكون في سن مبكرة جدا، من الأربع أو الخمس سنوات، خاصة ان تعاليم الدين الإسلامي تشير إلى ان ارتداء الحجاب يفضّل عند البلوغ، معتبرة أن هذا القرار لو نفذ سوف يزيد من شدة الاحتقان في المجتمع البريطاني الذي بدأ يتأثر بكل رموز الإسلام والانطباع السائد انها رموز مرتبطة بالإرهاب. وتشير إلى انه من الضروري التحرك كمؤسسات إسلامية في بريطانية على دعم الفتيات المسلمات في حرية الاختيار دون الخوف من أي إجراءات تعسفية أو الانتقال إلى مدارس إسلامية لضمان الالتزام بالمعتقد.

سياسة الزي المدرسي المسموح به

وورد في دراسة أجرتها صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية حول إدراج الحجاب كجزء من الزي المدرسي في بعض المدارس البريطانية، أن الآلاف من المدارس الابتدائية الحكومية في بريطانيا تسمح للفتيات في عمر خمس سنوات أن يرتدين الحجاب، وهو ما أثار قلق البعض من أكاديميين وأساقفة وناشطين.
وتنقل الصحيفة عن مكتب «أوفستيد» المسؤول عن شؤون الأطفال في وزارة التربية، قوله إن ثمة «قلقا متزايدا» بشأن هذا التوجه، مؤكدا أن المفتشين يحققون في ما إذا كان الأساتذة يتعرضون لضغوط من الأهالي أو رجال الدين لتغيير أنظمة الزي المدرسي.
وأشارت دراسة للصحيفة إلى أن حوالي 20% من الـ800 مدرسة ابتدائية (18في المئة) بما فيها مدارس الكنيسة، التي تمت دراستها في 11 منطقة في إنكلتر، تدرج الحجاب ضمن سياسة الزي المدرسي المسموح به.
وبالأرقام أيضا، فإن 46 في المئة من أصل 72 مدرسة ابتدائية في برمنغهام تم رصد مواقعها الإلكترونية تذكر الحجاب بوصفه زيا مسموحا به، وتبلغ النسبة 34 في المئة لـ68 مدرسة في تاور هامليتس، و36 في المئة في لوتن.
ولكن الصحيفة تلفت إلى أن تلك النسب قليلة جدا في المناطق ذات الجالية الكبيرة من المسلمين، حيث تحدثت عن 6 في المئة من أصل 77 مدرسة في ليستر، وثمانية مدارس من أصل 133 في مانشستر (6 في المئة).
وقد ظهرت بعض ردود الأفعال المؤيدة والرافضة من بينها موقف النائبة السابقة عن حزب العمال في البرلمان أمينة لون، وهي مسلمة، تقول إن الحجاب في النص الإسلامي يُفهم على أنه للمسلمات حين يصبحن في سن البلوغ. مضيفة أن عددا قليلا من المسلمين يدعون إلى أن ترتدي القاصرات زي الحجاب.
أما رئيس أسقفية كانتربري السابق اللورد كاري فيقول إن إضفاء الصفة الرسمية على الحجاب في المدارس الإبتدائية «يجب مواجهته بقوة».
لكن وزارة التربية تقول إن البت في سياسات الزي المدرسي يعود إلى المدارس، مضيفة أنه «إذا ما قررت مدرسة السماح للطالبات بارتداء البرقع أو الحجاب فهذا شأنها».
ودعت شايستا جوهر، رئيسة جمعية شبكة النساء المسلمات في بريطانيا، إلى فتح باب النقاش والجدل الداخلي بشأن الحجاب بين مسلمي بريطانيا، مشيرة إلى أن هناك حاجة إلى البحث في موضوع الحجاب عموما على نحو يبتعد تماما عن النزعة العنصرية.
لكنها أعربت عن قلقها من احتمال ان يستخدم السياسيون هذه القضية كأداة في حملات الانتخابات العامة المقبلة.
وتشير جوهر إلى أن المسلمين صاروا تدريجيا تحت الضوء، وأن حزب الاستقلال والحزب القومي يلعبان على حبل الكراهية للمسلمين، وأن هناك قلقا حقيقيا في أن تستخدم قضية الحجاب كأداة في الانتخابات، لكن هذا لا يعني استنساخ ما يفعله الفرنسيون.
وكان جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني السابق، قد أغضب جماعات إسلامية في عام 2006 عندما قال ان ارتداء النقاب أو البرقع أو الحجاب «بيان واضح للتفرقة والاختلاف» ويرى ان هذا من شأنه تعقيد العلاقات الاجتماعية في البلاد.
وقد اعتبر الزعيم السابق لحزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج، أن الحجاب بأنواعه رمز من رموز الانقسام الاجتماعي في البلاد، وأنه قمع للمرأة، ويمكن أن يكون تهديدا أمنيا، داعيا إلى منعه بالكامل.
أما الحزب القومي البريطاني فقد دعا بالفعل إلى منع الحجاب بكل أنواعه في المدارس البريطانية.
وقالت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، إن مفتشين حكوميين سيستجوبون التلميذات اللاتي يرتدين الحجاب في المدارس الإبتدائية، وسط قلق من أن تكون الفتيات البالغات من العمر أربعة أعوام مجبرات على ارتدائه.
وأضافت الصحيفة، في تقرير نشرته مؤخرا، أن أماندا سبيلمان، كبيرة المفتشين في المدارس البريطانية، أعلنت هذه الخطوة التي وصفتها الصحيفة بــ»المثيرة للجدل» وستكون هذه المرة الأولى التي يتم فيها تحدي التنامي المتزايد لارتداء الحجاب رسميا في الفصول الدراسية في المدارس الحكومية في البلاد.
وقالت سبيلمان، في بيان صادر عنها مؤخرا، إن الحجاب في المدارس الإبتدائية يمكن النظر إليه على أنه يضفي طابعا جنسيا على الأطفال، لأن الحجاب يتم ارتداؤه تقليديا كعلامة على التواضع أمام الرجال، عندما تصل الفتيات المسلمات إلى سن البلوغ.

أصوات تنادي بمنع الحجاب في المدارس البريطانية ونشطاء مسلمون يعتبرون ذلك تمييزا وإخلالا بحرية المعتقد
الطالبات المحجبات عرضة للمساءلة في بريطانيا
وجدان الربيعي