فائق حميصي: في عرض «دمشق 45 سنة هذا العام» ألجأ إلى حركة الطبيعة والأشياء أبطالي

لم يكن في باله تخطي العرض المجاني وبات مطلوباً

زهرة مرعي

Jan-13

بيروت ـ «القدس العربي»: لم يكن للصالة نصيب في السكينة طويلاً بين نوبة ضحك وأخرى أثناء متابعة عرض «مشوار 45 سنة» لفنان الإيماء فائق حميصي. جمع مشاهد من مسرحياته بدءاً من 1972 وإلى 2011 في ساعة وربع من الزمن، واستعادها مع ممثلة هي الأقدر بنظره عايدة صبرا، وممثل له مع الثنائي تناغم في الفن والقناعات هو زكي محفوض.
«مشوار 45 سنة» لم يكن في بال حميصي لولا المجلس الثقافي للبنان الشمالي ومدينة طرابلس حيث ولد واختبر مشهدياته الأولى في التمثيل. أما مشروعه للعام 2018 فهو عمل يسعى باتجاه الحسي الحركي وبطولة الأشياء.
مع فائق حميصي هذا الحوار:
○ تحتفل بـ»مشوار 45 سنة» من حضورك المسرحي في فن الإيماء. لماذا لم تنتظر اليوبيل الذهبي؟
• طلب مني المجلس الثقافي للبنان الشمالي حفلاً مجانياً للجمهور يعطي فكرة عن فن الإيماء. وكان «مشوار 45 سنة» لحفل وحيد. ما كتبته الصحف استدعى طلباً للعرض في بيروت، وصار الحفل حفلات. يترافق العرض مع شرح مسبق عن المشاهد بحيث يشبه الريبرتوار التثقيفي. فاجأتني ردة فعل الجمهور، ولم أكن على ثقة أن مشاهد من سنة 1972 و1979 والثمانينيات صيغت بفكر زمنها وعقله ستثيره. التفاعل كان أكبر مما سبقه في الزمن الماضي. بحثت عن السر مع علماء الاجتماع وأفضت النتيجة أن الأساس يكمن في القيم الجمالية التي يتضمنها الإيماء والشبيهة بالقيم الجمالية في الموسيقى. لوحات تراها العين وتترك تأثيراً نفسياً يتراوح بين زعل، صمت أو دهشة. وهو التأثير نفسه الذي تتركه الموسيقى. نسمع موسيقى عمرها ربما 500 سنة. فليست الحكاية هي الأصل. الإيماء حركة مرسومة في الفراغ لها قيمة تشكيلية أكثر من قيمة الحكاية.
○ يبدو أن الزمن لا يمر على عرض الإيماء؟
• تكمن القيمة الجمالية في أسلوب تقديم الحكاية، وليس في الحكاية نفسها. لنتناول كمثال مشاهد اليدين، نسجت بفكر 1972 وأفضت للمفعول نفسه.
○ قبل 45 سنة اكتشف «فدعوس» بيروت في إطلالته على حاضر المدينة ما هو الاختلاف الذي لفته؟
• من حق الجمهور ولكي يبني تراكماً ثقافياً أن يكون قد شاهد وتعرّف. مشكلة المسرح برمته أنه لا يعمل وفق التراكم الثقافي. يُقدم العرض المسرحي لأيام ويُرمى. لا نرى عرضاً لريمون جبارة، إن لم ير الجمهور فما هو معيار التقييم لديه؟ إن قال أحدهم أنا الأول في كذا، كيف نقول لا ونحن لم نر؟ يحتاج المسرح لأرشفة إما بالتصوير، أو بإعادة العرض الدائمة. هذا ما يتم في الدول التي تراكم ثقافتها وحضارتها، فالمسرحيات تستعاد بغير ممثلين وباخراج جديد.
○ بعد «فدعوس يكتشف بيروت» كأول مسرحية إيمائية في لبنان من اخراج موريس معلوف هل وقعّ آخرون عروضك التالية؟
• بعد عودتي من الدراسة في باريس سنة 1978 بت أوقع أعمالي منفرداً بصيغة «إعداد وتمثيل» مع ذكر كامل فريق العمل. أقول ما أريده للممثل، يقدم رؤيته، ونتعاون معا للوصول إلى الحركة الصحيحة، بعد ادخال التعديلات الجمالية على المشهد.
○ هل أنت الفنان الوحيد الذي يقدم الإيماء في لبنان؟
• لست وحيداً، هناك كثر. وهم طلابي، وطلاب طلابي. منهم من درس الإيماء واتجه إلى المسرح الجسدي.
○ بعد 45 سنة على بداية المشوار نسألك لماذا راح خيارك نحو الإيماء؟
• هو السؤال المكرر «ويضحك». الإجابة بسيطة، كطفل أو مراهق كنت أشاهد السينما وتلفتني الأفلام الصامتة. عرضت في لبنان أفلاما تعتمد الحركة والإيقاع ودون أبطال. تُشغل الحركة خلايا الدماغ أكثر من الكلام. من صغري أعجبني الممثل الذي يحرك جسده ولا يتكلم. في طرابلس عشت أجواء الفنانين من خلال الكشاف، ابو سليم، أسعد وآخرين. طلبت المشاركة في التمثيل وقلت لهم بأني أجيد رواية «النكتة الخرسا». استغربوا وطلبوا مشهداً. فضحكوا كثيراً. تكررت المشاركة حتى كبرت وقررت دخول الجامعة. شاهدني الصحافي ابراهيم زود في عرض «نكتة خرسا» التي بت محترفاً لها. ناداني بعد المشهد ليقول لي «تُقدم الإيماء وليس النكتة الخرساء». نصحني بدراسة الإيماء في فرنسا، وكتب رأيه في مجلة الساخر، وقال أن أحدهم يقدم الإيماء في طرابلس دون أن يعلم. وما زلت احتفظ بالعدد.
○ هل كان الإيماء لغة البشر في بدايات مشوارهم على هذه الأرض؟
• نعم الإيماءة الصوتية والحركة كانتا أساس التواصل البشري. ولا تزال لغة الاحتفالات لدى القبائل التي تعيش في غابات افريقيا والأمازون. هي رقصات تتضمن تمثيلاً كما الشجار مع الأسد أو الأفعى، وتقدم جماعياً.
○ »غرام الدمية» عرض وجدته لا يليق سوى بعايدة صبرا هل لنا معرفة مدى المواءمة الفنية بينكما؟
• لولا وجودها كطالبة في صفي لما تحقق المشهد. في الثمانينيات كنت في سعي للخروج من الإيماء الذي يروي حكاية والاتجاه نحو مشهد الديالكتيك أو الصراع. كانت عايدة في سنتها الجامعية الأولى، وقفتها أوحت لي بأنها تتقن حركة الجسد. سألتها وقالت إنها درست الباليه لـ12 سنة. تعاونا معاً في تعديل بعض قواعد الباليه كمثل تعابير الوجه المسطحة، وكان «غرام الدمية» سنة 1986. «غرام الدمية» موضوعه الإنسان والحرب لا يتضمن حكاية بل أجواء. في هذا العرض كان لليدين دورهما، فهما الحياة اليومية. أطلق النقاد في دمشق على العرض تعريف ParaMime بعد تقديمه في عدة حفلات في مسرح القباني حينها. وهذا النوع من المسرح يُعرف عالمياً الان بـ «مسرح جسدي».
○ على صعيد تطورك الشخصي كفنان كيف كان الانتقال من الإيماء الحكواتي إلى ايماء التطور الحركي؟
• هي أبحاث للوصول إلى مسرح حركي يشبه حضارتنا. في بحث بسيط وضعت الايماء ضمن وحدة الفنون العربية والتي تتضمن العمارة، الزخرفة، بعض الرسومات والموسيقى. أثار البحث جدلاً في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية نتيجة وضع المسرح مع باقي الفنون. قلت أن الإيماء ليس مع المسرح المحكي بل مع ما سبق من فنون كونه تشكيلا في فراغ لكنه متحرك.
○ ألا يحتاج ذلك لتطور مترابط بين الفنان والجمهور بحيث يستوعب ويقبل مرحلته الجديدة؟
• اقترحت على الجمهور فناً حركياً يعتمد على السمة المشتركة بين الفنون العربية. ففي قصر الحمراء في اسبانيا لا نجد صورة شخص أو حيوان. فلا رسم هناك بعكس الفكر الأوروبي. في القصور الشرقية تكثر المربعات والأشكال الهندسية. إذا نحن أمام وحدة إما الدائرة، أو المربع أو الخط، نركب منها ونصل لعدد لا نهائي من الأشكال. الفنون العربية تذهب نحو التجريد. وهذا حال الموسيقى بعد الزن، يدخل عازف العود إلى النغمة ومن ثم إلى التأليف والأغنية ويولّع الأجواء. وهذا ما طبقته على الحركة. بدأت وحيداً في الحركة. ثم بدلت سرعتها وشكلها. يدخل الآخرون ونؤدي ما هو مفهوم. إنها تركيبة الموسيقى عينها.
○ لنتحدث عن مشاهد السينوغرافيا في عرضك «مشوار 45 سنة». لماذا وجدنا حركة اليدين وحدها شديدة التعبير والجاذبية؟
• بعد إحصاء عن استعمالنا ليدينا وجدت أن لليد أن تختزل الإنسان لكثرة استعمالها. وهكذا كان أول مشهد لليدين سنة 1983 «صباح الخير» ويومها «فرطوا العالم بالضحك». سر النجاح في رأيي عدم وجود التفاصيل ومشاركة الجمهور بالخلق، فشاهد طبيب الأسنان يرتدي الأبيض، فيما أعطت اليد فقط صوت «الخربر». إذا ضحك الجمهور على ما تخيله وليس على ما شاهده فقط.
○ ماذا عن جديدك في 2018؟ وما هي العناصر الجديدة؟
○ أسعى لتجربة المسرح الجسدي الحركي، ولأن تكون الأشياء أبطالا وليس الممثلين، كأن يكون الممثل نصف طنجرة والنصف الآخر قدمين. لم اخترع ما سأقدمه بل أخذته من الطبيعة. ينظر الناس إلى البحر خلال وجودهم على الكورنيش البحري لبيروت. الناس كثر إنما لكل منهم حالة نفسية مختلفة. كذلك تختلف الموجات التي تضرب الصخور، ولكل منها سرعتها وإيقاعها. وحال الأشجار حين تهتز، لا تقول بوجود الهواء بل نحن من يقول ذلك. من هنا سينطلق عملي المقبل.
○ هل ترغب بتقديم فنك في الشارع؟
• حدث ذلك كثيراً في السبعينيات. شاركت في مهرجانات في بيروت، وفي عاليه مع الحركة الاجتماعية للمطران الراحل غريغوار حداد، وفي الجنوب والشمال حيث لبيت كافة الدعوات لعروض الشارع. كنت أحمل حقيبتي واضع الماكياج أمام الناس. إيماء الشارع له خصوصياته. يستدعي قدرة الارتجال حسب ذوق الجمهور، وكذلك الابتكار والتجديد ورد الفعل السريع مع متطلبات الجمهور.
○ وهل يجد الفن حقيقته بين الناس؟
• لأن الناس يشاركون في العرض وعندها يصبح تواصل اجتماعي.
تُدرّس في معهد الفنون منذ زمن فهل يرغب الطلاب في فن الإيماء؟
• يستدعي الإيماء موهبة خاصة، معرفة بالتقنيات وصبرا وقدرة على العمل. الجسد المكون بمعنى السيطرة على المفاصل، ولديه موهبة التمثيل يمكنه أن يحترف. كثر الذين يرغبون في الإيماء ومن لديهم صبر قلة. الإيماء فن يستدعي التغيير في نظام الحياة، الطعام والرياضة اليومية. لهذا يقبلون على دور في مسلسل تلفزيوني وانتهى الأمر. تكوين الجسد في الإيماء يلزمه تمرين صباحاً ومساءً ويومياً.
○ ما الفرق بين التعبير إيماءً والتعبير كلاماً؟ أيهما أكثر تأثيراً بالنفس؟
• ليس لأحدنا الكذب من خلال الحركة بعكس الكلام. أعتقد أنه كان وسيأتي الزمن الذي يفقد فيه الكلام معناه ويتساقط. نتجه نحو عصر الفضاء وليس ممكناً استعمال تعبير فوق وتحت، ولا يمين وشمال. وهكذا تتساقط الكلمات. التواصل البشري سيعود إلى الحس واللمس.
○ كم يحتمل عرض مسرحي إيمائي من الكوميديا؟
• في طبيعتي أحب الضحك وهذا ما أضمنه لأكثر أعمالي. وكذلك للجمهور اختيار الضحك. وهو يفاجئني في اختياراته.
○ ماذا عن التلفزيون كيف تختار حضورك في المسلسلات؟
• شاركت في الكثير من المسلسلات وبت نجماً في الشارع. توقفت في سنة 1994 لأني وجدت نفسي آلة يتم استخدامها. كان غائباً كل ما أشعر وأفكر فيه. وجدت استغلالاً لوضعي كممثل. الممثل يتقاضى أقل الممكن من الأجر. الإنتاج ليس محترفاً، فليس للممثل أن يحضر مع ملابسه، وهذا لا يحترمه كفنان. عندما يصبح الإنتاج محترماً ومحترفاً قد أعود للتمثيل التلفزيوني. عملت مع منتجين من الولايات المتحدة وفرنسا وحضرت بخمسة أفلام أجنبية، ومعهم عرفت دور الإنتاج ومكانته.

فائق حميصي: في عرض «دمشق 45 سنة هذا العام» ألجأ إلى حركة الطبيعة والأشياء أبطالي
لم يكن في باله تخطي العرض المجاني وبات مطلوباً
زهرة مرعي