تسريبات جديدة تثير الضجة والجدل في مصر وتُحرج وسائل الإعلام المقربة من النظام

Jan-13

لندن ـ «القدس العربي»: أشعلت مجموعة من التسجيلات الصوتية المسربة موجة من الجدل الواسع في مصر بعد أن أظهرت هذه التسريبات أن أجهزة الأمن المصرية هي التي تدير وتوجه بشكل مباشر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الخاصة، بما في ذلك مجموعة من الإعلاميين والفنانين المعروفين من أجل التأثير في الرأي العام المصري.
وبدأت سلسلة التسريبات الأخيرة بتقرير نشرته جريدة «نيويورك تايمز» قالت فيه إن ضابطاً برتبة نقيب في جهاز المخابرات الحربية يُدعى أشرف الخولي يقوم بإملاء الأوامر على اثنين من الإعلاميين المعروفين إضافة إلى الفنانة يسرا، حيث يطلب منهم الحديث عن قضية القدس والقرار الأمريكي باعتبارها عاصمة لإسرائيل، ويقوم بتوجيههم أن يقولوا للرأي العام أن مدينة رام الله هي عاصمة دولة فلسطين وأن على العرب أن يقبلوا بالقرار الأمريكي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.
وبالتسريبات الجديدة يظهر أن الموقف المصري الحقيقي هو تأييد القرار الأمريكي وليس معارضته، كما أن هذه التسريبات تفضح حجم التدخل الأمني في العمل الإعلامي في مصر وتعاون الإعلاميين مع جهاز الأمن وتنفيذ التعليمات التي يتلقونها من الأمن لا ما يعتقدون أنه الصواب.
ولاحقاً لما نشرته «نيويورك تايمز» والنفي الذي جاء على لسان بعض من ظهرت أسماؤهم في التسجيلات، بثت قناة «مكملين» المصرية المعارضة التسجيلات ذاتها ومعها عدد من التسجيلات الإضافية لتثير بذلك جدلاً أوسع داخل مصر امتد إلى مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة وأن التسجيلات اللاحقة شكلت دليلاً إضافياً على أن «النقيب أشرف» شخص حقيقي وليس وهميا كما زعمت بعض وسائل الإعلام في البداية.
وتعتبر جريدة «نيويورك تايمز» واحدة من أهم وأعرق الصحف المطبوعة في العالم، حيث تأسست عام 1851 وحصلت على 95 جائزة «بوليتزر» لم تحصل على مثلها أي صحيفة في العالم، كما تحظى بتأثير واسع وسط النخب الأمريكية ودوائر صنع القرار.

موجة هجوم

وتعرضت جريدة «نيويورك تايمز» والصحافي الأمريكي «ديفيد كيركباتريك» لموجة هجوم كبيرة في وسائل الإعلام المصرية المحسوبة على النظام، حيث اتهمهما الإعلامي عمرو أديب بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين، متسائلا عبر برنامجه في فضائية (ONE) عن الطريقة التي وصلت بها التسجيلات المسربة من «نيويورك تايمز» لفضائية «مكملين» و»الشرق».
أما رئيس تحرير جريدة «الأسبوع» محمود بكري فقال لفضائية «المحور» إن تقرير الصحيفة الأمريكية يستهدف تشويه صورة مصر وأن هناك مخططا تمارسه بعض وسائل الإعلام الغربية بالتعاون مع «الإخوان».
وكال الكاتب الصحافي خالد صلاح، الاتهامات للصحيفة عبر فضائية «النهار» قائلا إن «نيويورك تايمز» تستهدف مصر بشكل قطعي، كما تهدف إلى زرع الشك والفتنة والريبة في المجتمع، مضيفا أن «هناك فبركة حدثت حتى يخلق (الإخوان) مادة إعلامية يعيدون بها التربص بالنظام».
وفي مداخلة له في فضائية «الحدث اليوم» قال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، إن تقرير الصحيفة الأمريكية «كاذب» وأعلن تحديه لمراسل «نيويورك تايمز» حول وجود ضابط مخابرات باسم «أشرف الخولي».
وقال مستشار أكاديمية ناصر العسكرية هشام الحلبي، في تصريحات لقناة (ONE) الفضائية إن «هذا شكل من أشكال حروب الجيل الرابع يستهدف المدنيين لترويج أكاذيب وشائعات» زاعماً أن «نيويورك تايمز» تخاطب الرأي العام الأجنبي لرسم صورة خاطئة عن مصر.
واتهم أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة سامي الشريف الإعلام الغربي باتخاذ مواقف مضادة لمصر منذ 30 حزيران/ يونيو 2013 وذكر اسم «غارديان» و»رويترز» و»نيويورك تايمز» وقال إن هناك حرصا شديدا من تلك المؤسسات على تشويه صورة النظام ونشر الأكاذيب وتهييج الرأي العام الدولي ضد مصر.
كما زعم في تصريحات نشرتها صحيفة «التحرير» أنه توجد فضائيات تتقاضى الملايين من الدولارات من جماعة الإخوان وبعض الدول الداعمة للإرهاب كقطر وتركيا من أجل تشويه الدولة المصرية.

مقالات عديدة

وانشغل العديد من كتاب المقالات والأعمدة داخل مصر وخارجها بالحديث عن تسريبات «نيويورك تايمز» و»مكملين» حيث رأى الكاتب الصحافي سليم عزوز في مقال له إن «موقف دولة العسكر من القضية الفلسطينية معروف، فهم ومنذ عهد مبارك يناصبون الانتفاضة العداء، ويحاصرون غزة لإجبار أهلها على التسليم. وفي كل مرة يتم فيها الاعتداء الإسرائيلي على القطاع، فإن الإعلام المصري يتولى التحريض على المقاومة وعلى حماس، فما الجديد في التسريبات؟!». وأضاف « أما الموقف من القدس، فقد أذيع أمريكياً أن ترامب قبل إقدامه على اتخاذ قراره حصل على موافقة القاهرة والرياض، كما أذيع أردنيا أن مصر تحفظت على عقد القمة الإسلامية. وقد شاهدنا التمثيل المصري المنخفض في هذه القمة، بل والتمثيل العربي بشكل عام، لا سيما في الدائرة الإقليمية التي تتحرك فيها مصر- السيسي!».
أما محمد الشبراوي فكتب مقالاً رأى فيه أن «التسريب الأخير بهدف تهيئة وتوجيه الرأي العام المصري للقبول بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ لم يأتِ بجديد، ولكنه كان كاشفا لحالة موجودة ورؤية من يدير مصر الآن».
وانتهى إلى القول إن «التسريبات العديدة التي ضجت بها مصر والمنطقة تؤكد أن مصر ومعها نظم في المنطقة لم تستطع أن تقيم دولا حديثة عبر إحداث تنمية مستدامة، ولم يتحقق استقرار سياسي، بغير الاعتماد على القوة الأمنية الباطشة، والأهم من ذلك لم يتم حفظ الأمن القومي لمصر والمنطقة العربية».
ولا يبدي الكاتب الفلسطيني ساري عرابي أيضاً، أي اندهاش من التسريبات ومضمونها، حيث يقول إن «أيّ مطّلع على السياسات الإسرائيلية الاستعمارية في فلسطين المحتلة، وعارف بتوجهات اليمين الحاكم فيها، ومراقب لتحولات المجتمع والسياسة في «إسرائيل»، يمكنه أن يتوقع الرؤية الإسرائيلية العامة لتصفية القضية الفلسطينية. ومع التردي والاهتراء العربي لا بدّ وأن تلتقي «إسرائيل» مع بعض الأطراف العربية» في اشارة إلى مصر التي تبين أنها تدعم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

جدل على شبكات التواصل

وفور نشر التسريبات اشتعلت حالة من الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي، وازدحمت بالتعليق على هذه التسريبات ومضمونها، فيما صعد عدد من الوسوم حول الموضوع إلى قائمة الأكثر تداولاً على «تويتر» ومن بينها «#تسريب_القدس» و»#تسريب_الأذرع_الإعلامية» و»#تسريب_مكملين».
وكتبت الناشطة شيماء محمد: «عصابة بتحكم البلد بفكر العصابات وساعدهم أنصافُ الإعلاميين وأشباه الفنانين وضيعوا البلد» فيما كتبت الناشطة آيات عرابي: «مخابرات العسكر هي جهاز فاشل كوميدي أقرب لإسماعيل ياسين، مع الأعداء. لكنهم جهاز ناجح جداً ومتمرس في العبث بعقل الشعب وخداعه».
أما الإعلامي أسامة جاويش فغرد على «تويتر» قائلاً: «ما بين 2015 و2018 يظل صديقي عباس كامل هو البطل والمحرك والسر وراء ما نسمعه ونشاهده في #تسريب_الأذرع_الإعلامية.. للأسف إعلام يُدار بالهاتف».
وكتب أحد المغردين معلقاً: «تسريب الأذرع الإعلامية لم يأتِ إلا بمزيد من التأكيد علي أنها طابونه وكيف تدار ولكن لي كلمة: يا أمراء وحكام الخليج.. يا من دعمتم السيسي أرأيتم كيف يوجه إعلامه ضدكم والحشد ضد قطر والكويت والسعودية… أعيدوا حساباتكم فهذا لا مبدأ ولا دين له».
وألمح ناشط يُدعى أحمد عبد المنعم إلى أن التسريبات الأخيرة تأتي في سياق الصراع داخل النظام في مصر، حيث يقول: «واضح أن المخابرات العامة والمشرفين عليها اقتنعوا تماماً وأدركوا خطورة الموقف ولذلك أرسلوا التسجيلات لنيويورك تايمز بالذات، حيث الحصانة الدولية وقوانين أمريكية تحفظ حق النشر، فلن يجرؤ أن يكذبها أحد، وتُعتبررسالة من المخابرات العامة للمخابرات العسكرية بالتهديد».

تسريبات جديدة تثير الضجة والجدل في مصر وتُحرج وسائل الإعلام المقربة من النظام