دورميسون: هل تكفي محاسن الموتى؟

صبحي حديدي

Dec-11

أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأبيناً وطنياً حاشداً لمواطنه الروائي والفيلسوف والأكاديمي والصحافي جان دورميسون (1925 ـ 2017)، ألقى خلاله كلمة ذات نبرة أدبية عالية، لم تعد (ربما منذ أيام بلاغة الرئيس الأسبق شارل دوغول) مألوفة في خطاب شاغلي قصر الإليزيه. استفاض ماكرون في ذكر محاسن الراحل، بالطبع، من زاوية لا تعتمد الإطراء المباشر بقدر ما تُبرز سلسلة الخصائص، وبينها أوجه التضارب والتضادّ، التي طبعت مسيرة دورميسون؛ والتي تنتهي، في حصيلتها، إلى دالّة مشتركة هي المديح الرصين. ولقد اقتبس، أو ذكر، عدداً كبيراً من المشاهير، بينهم نيتشه وموزارت وكوكتو وسيزان وشاتوبريان ومونتين وديدرو ولافونتين وباسكال وفرلين ورينالدي ومالرو… ولفتني، شخصياً، أنه لم يقتبس أيّ اسم خارج الثقافة الأوروبية؛ رغم أنّ علاقة دورميسون بالثقافات الآسيوية كانت وطيدة، ومواقفه من الحضارة الإسلامية ظلت إيجابية.
هذا التأبين الوطني كان تكريماً رسمياً على أعلى مستويات الجمهورية الفرنسية في نهاية المطاف، إذْ دُعي إليه اثنان من رؤساء فرنسا السابقين، فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي، وعدد من الوزراء، وأعضاء الاكاديمية الفرنسية، والسلك الدبلوماسي؛ كما جرت المراسم في فناء مجمّع «إنفاليد» الذي يحتضن ضريح نابليون بونابرت وعدد كبير من ماريشالات وجنرالات ورموز فرنسا العسكرية الأبرز. وإذا لم تخنّي الذاكرة، فإنّ هذا المستوى من الاحتفاء لم يحظَ به أديب على امتداد الجمهورية الخامسة، ربما باستثناء أندريه مالرو الذي نُقلت رفاته إلى مبنى الـ»بانتيون»، في سنة 1996، بمبادرة من الرئيس الأسبق جاك شيراك. وعلى نقيض دورميسون، الذي تصادف رحيله مع رحيل نجم الروك الفرنسي جوني هاليدي؛ لم يلقَ جان كوكتو التكريم الذي يستحقه حين رحل سنة 1963، إذْ تصادف مع غياب إديث بياف أيضاً.
يبقى أنّ ذكر محاسن دورميسون، وهي كثيرة ومتنوعة، لا يتوجب أن يطمس تلك النقاط السوداء التي اكتنفت تقلبات حياته، خاصة حين تولى إدارة صحيفة الـ«فيغارو» خلال أواسط سبعينيات القرن الماضي؛ فاختلت معادلته الشهيرة، في أن يكون يمينياً أمام اليساري، ويسارياً أمام اليميني، لصالح الطرف الأول. وأستعيد، هنا، حكايته مع جان فيرا، المغنّي الفرنسي الشهير، الذي كان قيثارة اليسار والفنّ الملتزم طيلة عقدَي الستينيات والسبعينيات، ولعله أفضل من لحّن قصائد لوي أراغون وغنّاها. ففي أيار (مايو) 1975، وكان يومذاك يترأس الـ«فيغارو»، كتب دورميسون افتتاحية مطولة ينعي فيها سقوط مدينة سايغون في قبضة الشيوعيين، ويستنهض الغرب والولايات المتحدة لإنقاذ الوضع في فييتنام؛ الأمر الذي استفزّ فيرا فأصدر أغنيته الشهيرة «بصيص من الحرية»، وفي لازمتها يقول: آه يا سيد دورميسون/ لقد تجاسرتَ على القول/ إنّ بصيصاً من الحرّية/ كان يرفرف فوق سايغون/ قبل أن تُسمّى مدينة هو شي منه».
وكان يمكن للحكاية أن تبقى منحصرة في حدود الصدام بين الرجلين، والذي انتقل إلى العلانية، وشمل صفوف اليسار واليمين معاً؛ لولا أنّ دورميسون استخدم نفوذه، ولم يكن ضئيلاً البتة، في دفع القناة الثانية الحكومية إلى منع بثّ الأغنية. بذلك تطورت الحكاية وتحولت إلى قضية رأي عام، ورقابة على حرية التعبير، فتدخلت صحيفة «لوموند» لصالح فيرا، واتهمت دورميسون بإثارة الزوابع ضدّ فنان شعبي محبوب؛ وفي الآن ذاته عدم الدفاع عن 55 صحفياً من زملائه استقالوا جماعياً بعد بيع الـ»فيغارو» إلى رجل الأعمال روبير هيرسان، المدان بالتعاون مع الاحتلال النازي.
وفي السجلّ النقيض لمحاسن الراحل، يُشار أيضاً إلى تفاخره بحيازة جواز سفر لبناني، منحه له الجنرال ميشيل عون، أواخر الثمانينيات، حين كان الأخير رئيساً للحكومة اللبنانية المؤقتة؛ وذلك تكريماً لتعاطف دورميسون، ونفر من كتّاب فرنسا وساستها (بينهم جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ)، مع «قضية مسيحيي الشرق».
وقد يُسجّل للراحل أنه، وهو الفرنسي المرموق، تفاخر مراراً بجواز سفر مشرقي، خاصة حين رحّب بانضمام أمين معلوف إلى الأكاديمية؛ لولا أنّ سياقات الواقعة ليست مشرّفة تماماً، وليست خالية من المظانّ الأخلاقية. وهذا البُعد الأخلاقي كان، أيضاً، جوهر الطعن في إعلان دورميسون انه سوف يصوّت لصالح ساركوزي، حين كان الأخير في ذروة انحطاط مواقفه من الهجرة واللجوء والتشديد على هوية فرنسا المسيحية ومغازلة الأنظمة الدكتاتورية.
وضمن تفاصيل السجلّ المتضارب ذاته، هنالك ملفّ صداقة دورميسون الوطيدة مع الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتيران: بدأت السلسلة من توقيع الأوّل على عريضة، ثمّ افتتاحية مسهبة، تحذّر من مغبة وجود الثاني في قصر الإليزيه؛ ومرّت بتوصيف الأخير للأوّل، بأنّ من المؤسف «أن يكون كاتب جيد هكذا، غبياً في السياسة هكذا»؛ ثمّ انتهت، في آخر صباح يقضيه ميتيران في الإليزيه، بإفطار مع دورميسون، تلفظ فيه الرئيس الفرنسي بعبارة واضحة حول «التأثير الجبّار والهدّام الذي يمارسه اللوبي اليهودي في فرنسا»!
وبقدر ما ابتعد دورميسون عن المنصب السياسي، فقد اقترب، وظلّ مقرّباً، من الساسة أنفسهم. وإذْ شدد ماكرون على أنّ التأبين الوطني لا يضيف جديداً إلى مجد الراحل، فإنّ من الإنصاف القول إنه سوف يُحتسب ضمن لائحة مآثر المؤبِّن، أياً كان موقف الجموع من المؤبَّن.

دورميسون: هل تكفي محاسن الموتى؟

صبحي حديدي

مقالات سابقة