كيف تتعلم الردح على الفضائية المصرية دون معلم!

مالك العثامنة

Oct-18

من المستحيل هذه الأيام أن تمر بحالة الاسترخاء الفضائي تلك لا تتجاوز فنجان القهوة ليبدأ العمل ومتابعة الأخبار وعملية التقييم لتتعثر بالضرورة بإعادات صباحية ونهارية لفوضى الليل التي يثيرها جنرالات الهبل الفضائي في الإعلام المصري خصوصا.
تعثرنا مثلا في عمرو أديب، سيد الردح الفضائي، وصاحب أكبر رقم قياسي في انقلاب المواقف، لا ينافسه في تحطيم تلك الأرقام القياسية في الذبذبة والنفاق إلا لواء أركان فضاء حرب أحمد موسى.
عمرو أديب ما زال يمارس هوايته في الصراخ، ونظرات عينيه التي تتقلب يمينا ويسارا بحثا عن كاميرا متسمرة أمامه، تشعر المشاهد أن هناك قليلا من خجل ذاتي في مواجهتها بعيونه وقد أدرك ما تبقى من ضميره حجم الهوة بينه وبين الصدق في التعاطي مع المشاهد.
لا نلوم الرجل، وقد كان في غزة نفسها، التي طالب ذات يوم قواته المسلحة بقصفها عن بكرة أبيها، وإبادتها، وقال في الفلسطينيين ما لم يقله أحد إلا ما قاله ولا يزال أحمد موسى، الرجل الكاره لذاته حد المرض.
أحمد موسى انشغل عن الشتم والسب هذه المرة بالترويج الرادح لديمقراطية رئيسه في الاستفتاء الديمقراطي غير المسبوق، والذي يعيد أمجاد أخناتون وسلالات الفراعنة إلى الحياة من جديد، عبر «خلينا نبنيها» ومكالمات موسى على الهواء مع شخصيات فنية ومشهورة يبادرها بالسؤال «الديمقراطي»: وقعت ولا لسة ولا مش ح توقع؟
تخيلوا حجم الديمقراطية والمؤسساتية والروح الشفافة بهذا السؤال؟
أحمد بدير، الذي لم يخرج من شخصية المنافق التي تلبسته وتلبسها في مسلسل مع عادل إمام، أكد جماهيرية السيسي (هكذا بدون مراكز دراسات ولا إحصاءات) أما زميله صلاح عبدالله، فقد أجاب على السؤال الشفاف للواء أركان حرب الفضائيات أحمد موسى بقوله إنه لم يوقع لأن التوقيع بالقلب مسبقا!!
وحتى لا يصطاد أحد في مياه كلامي ليبحث عن العكر فيها، فأنا ضد التيارات الإسلامية والدينية بالمطلق، ولو كنت مصريا في انتخابات حرة لم أكن لأنتخب أي مرشح إسلامي وفي نظام ديمقراطي سأخاصمهم سياسيا حد هزيمتهم لكن عبر الصناديق، وهذا لا يعني بالضرورة ( حسب المنهجية العربية) أن أقف حتما مع خصومهم العسكر، أو أروج لديكتاتورية الفرد واستبداده.
البحث عن إعلام غير خاضع للتجاذبات بين طرفي الخصومة في مصر صار يشبه البحث عن إبرة في كومة قش الفضائيات المصرية.

تلفزيونات هادئة

في المقابل هناك فضائيات هادئة، لا تثير ضجيجا ولا تسعى لأي نوع إثارة، وفيها طواقم إعداد صحافية ومهنية معنية بتقديم ما يهم جمهورها، فهي تحدد جمهورها المستهدف بهدوء وثقة، دون البحث عن جمهور واسع من المحيط إلى الخليج.
من تلك الفضائيات الهادئة قناة «الفجيرة» الفضائية مثلا، وهي قناة تابعة على ما يبدو لتلك الإمارة الوادعة على رأس الخليج العربي، نتابعها أحيانا خصوصا فترة الصباح، حيث المحتوى الإعلامي متفاوت بين محليات لا تورط بملل أو ضجر، أو أخبار وفقرات عامة مسلية ومشغولة بإعداد لطيف غير مبالغ فيه.
نشتاق لهذا النوع من التلفزيونات، وهو ليس مقتصرا على هذه القناة وحدها، فهناك قناة «الريان» القطرية أيضا والتي تقدم نستولجيا جميلة غالبا، تعيدك لزمن ما قبل الفضائيات أيام البث الأرضي.
نهرب إلى تلك القنوات خصوصا مع قهوة الصباح الباكرة، بعيدا عن التجاذبات التي صارت عنوان أغلب المحطات الكبيرة، وهذا الضجيج الإخباري المضمخ بالدم والعنف.
لا نقول إنها قنوات جاذبة بالمعنى المعاصر لفضائيات هذا الزمن، لكنها تناسب حالة الروقان التي ينشدها مشاهد مضطر إلى متابعة الفضاء بغثه وسمينه كل يوم تقريبا.

دراجة صاحب السعادة والملك

مساء، وللعودة إلى واقعي الجغرافي، نتابع مع الأسرة نشرات أخبار المحطات البلجيكية والهولندية المجاورة، وقبل أيام بثت نشرات الأخبار تقارير مصورة من هولندا المجاورة و«الشقيقة» وقد ذهب رئيس وزرائها مارك روته.. الى قصر الملك ليبلغه عن تشكيلة حكومته. واستخدم الدراجة الهوائية كوسيلة تنقل!
متابعة السيد روته بإعجاب وهو يدخل باحة قصر الملك على «بسكليته» و حرس الملك على البوابات يؤدون التحية لرئيس حكومتهم المتأنق ببذلة لم «تتجعلك» من قيادة الدراجة نتابعه وهو يوقفها إلى جانب باب القصر، ليدخل فيقابل الملك و يبلغه «مجرد تبليغ» عن تشكيلة حكومته الجديدة!!
جدير ذكره أن السيد روته منتخب كرئيس حكومة منذ عام 2010، وما نستخلصه هنا ببساطة أن دولته فعلا صاحب ولاية لأنه منتخب من برلمان هو أيضا منتخب من شعب يعرف كيف ينتخب ومن ينتخب.
تذكرت الضجة التي تدور في الأردن بعد تسريبات عن رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية الدكتور هاني الملقي وهو يتحدث عن قصته وقد تنكر ليشتري بطارية سيارة من أحد المحلات، وكيف أنه ضبط فرقا في السعر في تهرب ضريبي قيمته عشرة دنانير من صاحب المحل، الذي تفاجأ بالفاروق الأردني في محله.
رئيس وزراء هولندا ليس في حاجة مطلقا إلى التنكر أو ضبط تهرب ضريبي، فالمؤسسات هناك هي الدولة، وليس لبسكليت دولة الرئيس من يغير جنزيره إلا هو.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

كيف تتعلم الردح على الفضائية المصرية دون معلم!

مالك العثامنة