الثورة الرابعة

سعيد يقطين

Oct-18

وأنا أواصل قراءة الكتاب الرائع الصادر نهاية سبتمبر/أيلول 2017 لمؤلفه لوتشيانو فلوريدي، وترجمة لؤي عبد المجيد السيد عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، والذي يحمل عنوان «الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟»، وجدتني، بين الفينة والأخرى، أتساءل: هل يقرأ العرب؟ لماذا لا يقرأون؟ وحتى إذا ما قرأوا لا يستفيدون من قراءاتهم.
لطالما طرحت إشكالية القراءة عندنا، وسنظل نطرحها بدون أن نعثر لها على جواب، لأننا ببساطة لا نطرحها لنجيب عنها، ونفكر في الحلول الملائمة، ولكننا نطرحها فقط لأنها طرحت علينا كسؤال في معرض للكتاب. وبتقديمنا الجواب المرتجل على الشاشة نرى أننا حللناها إلى أن تطرح علينا من جديد في سؤال آخر، في معرض مختلف، فيكون الجواب نفسه، وهلم جرا.
لا نرى متابعات ولا مناقشات للكتب التي تشخص الحاضر، في ضوء الماضي، وتستكشف المستقبل. وجاءت الوسائط الاجتماعية لنتلهى فيها بالأضاحيك، وتعمل صحفنا المطبوعة على إعادة نشرها، إلى جانب الصفحات الرياضية التي تملأ ثلث الجريدة، ومعها متابعات دقيقة لأخبار المجرد، وهم يلبسونه السوار الإلكتروني، أو يخلعونه عنه، وهذا يدعي، وذاك يكذب، فيا للتفاهة؟ أنى لنا أن نقرأ الكتب التي تؤسس للفكر، والتي تصدر يوميا في العالم المحيط بنا، ونحن الذين سبقنا الآخرين إلى عصر المعلومات، وبدأنا ننعى الكتاب ونتهمه بأنه دخل المتحف؟ أنى لقنواتنا وصحفنا ومدارسنا أن تهتم بجواهر الأمور التي تهم مستقبل البشرية، ونحن منغمرون في قضايا لا علاقة لها بالعصر الذي نعيش فيه؟ رغم قلة الترجمة لدينا وضعفها تظهر بين الفينة والأخرى كتب مهمة، فلا تقرأ، ولا تناقش، ولا تكون أرضية للتفكير والعمل.
عودتنا سلسلة عالم المعرفة، وغيرها على تقديم كتب رائدة، ورغم ثمنها الزهيد لا تشترى، وإذا ابتيعت وضعت على الرف. وكتاب «الثورة الرابعة» ليس سوى غيض من فيض ما ينشر عن عصر المعلومات، والغلاف المعلوماتي. لقد اعتبر الباحث العصر الذي نعيش فيه عصر ثورة رابعة (المعلوماتية) جاءت بعد الثورة الكوبرنيكية، والداروينية، والفرويدية التي أزاحت كل منها مركزية خاصة: الأرض، الإنسان، العقل، وعوضتها برؤية أخرى للكون، والبيولوجيا، وعلوم الأعصاب. وها هي الثورة الرابعة تأتي لتؤكد أننا «صرنا نفهم أنفسنا على أننا كائنات تعيش مع مثيلاتها من الكائنات الحية المعلوماتية». تحققت هذه الثورات الأربع في سياق تحول تاريخي يختزله الباحث في ثلاث مراحل كبرى، من خلال ربطها بتكنولوجيا المعلومات والتواصل: مرحلة «ما قبل التاريخ»، حيث لم يكن وجود لهذه التكنولوجيا. أما في «مرحلة التاريخ»، فإن رفاهية الأفراد والمجتمعات صارت ذات صلة بالتكنولوجيا، ثم أخيرا مرحلة التاريخ «المُفرط» (ترجمة غير موفقة لما نسميه: التاريخ المترابط)، وهي المرحلة التي أصبح فيها تطور المجتمعات ورفاهيتها يعتمد بشكل أساسي على هذه التكنولوجيا الجديدة التي تقوم على ركيزة إنتاج المعرفة واقتصادها.
عبر قراءة فلسفية وتحليل إبستيمولوجي للتطور وللعصر، عمل الباحث على الكشف عن مميزاته وشروطه الخاصة. ومن خلال الوقوف على تجليات واقعية، قدّم تشخيصا عميقا يقوم على فهم موسوعي وتخصصي دقيق، مميزا في ذلك بين بعض المجتمعات التي ما تزال تعيش في التاريخ، والأخرى التي دخلت مرحلة التاريخ المترابط، وهي التي تقود هذا العصر وتتحكم فيه على المستويات المختلفة معرفيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا.
لم نعرف، في تاريخنا العربي الحديث، أيا من هذه الثورات الأربع التي عرفها الغرب. قد نردد آثار بعض هذه الثورات ببلاهة ببغائية، أو ننكرها على أنها أفكار غربية، ولا علاقة لها بتراثنا وتاريخنا، لذلك فنحن نعيش في عصر آخر غير هذا العصر، ونفكر في إنجاز «ثورات» من نوع آخر لا يصب في اتجاه تطور الإنسانية، بل إننا نفكر في «ثورات مضادة» نستغل فيها هذه التكنولوجيا الجديدة ضد المستقبل العربي.
إننا بصدد التفكير في، والعمل على إنجاز ثورات تتصل بما قبل التاريخ، وفي أحسن الأحوال نعمل على إعادة التاريخ إلى الوراء: فمن جهة أولى يعمل البعض على استرجاع الخلافة. ومن جهة ثانية يتم استحضار الفتنة الكبرى، والتفكير في أخذ الثأر من قتلة الحسين. ومن جهة ثالثة يحرص آخرون على إحياء النعرات الطائفية والعرقية التي تنتمي إلى عصر ما قبل التاريخ. وكل واحد من هؤلاء يحلم بوطن خاص به، ولا وجود فيه لغيره. وطن تتحقق فيه الذات السامية والأصيلة والنقية، ويكون فيه الاعتزاز بهويات لا نظير لها في تاريخ البشرية. فمن أين لمن يتشبث بهذه الأطروحات ما قبل التاريخية، أن يقرأ ما يتصل بالتاريخ أو بالتاريخ المترابط أو بالفكر الذي يؤسس لعلاقات جديدة بين الإنسان والكائنات المعلوماتية، وهو على تناقض معها؟
إننا لا نقرأ، وهذا موقف ثابت، لأنه إذا كانت الغاية من القراءة تطوير الفكر، فإن ما نقرأ يتعارض مع ما ندعو إليه، ولذلك فنحن نطمئن إلى جاهز «المعرفة اليومية» التي نتشبث بها ضد «المعرفة العلمية»، لذلك لا عجب أن نظل خارج التاريخ، وتكون كل «ثوراتنا» لاتاريخية.

٭ كاتب مغربي

الثورة الرابعة

سعيد يقطين