لماذا لا يختلف قائد السبسي عن بوتفليقة ؟

نزار بولحية

Oct-18

لنكن واضحين، أليس ساكنا قصر قرطاج في تونس وقصر المرادية في الجزائر أشبه بنزيلين يشغلان جناحين مستقلين ومنفصلين من الفندق نفسه؟
صحيح أن اشياء كثيرة مثل ظروف البلدين وطبيعة النظامين وحتى الحالة الصحية للرئيسين هي التي تصنع كل ما يبدو اختلافا عميقا وجذريا بين بوتفليقة وقائد السبسي. وصحيح أيضا أن المقارنة بين «العاجز» و»العجوز» تصبح لتلك الأسباب وغيرها غير عادلة أو أمينة، لكن أليس تقاطع مسار الرجلين وتطابق مشوارهما على أطراف السلطة ثم داخلها، هو ما يجعل مثل ذلك التوصيف جائزا وممكنا؟
لقد خرج الاثنان من تحت عباءة التاريخ، أو كما قال الشيخ الغنوشي مرة عن قائد السبسي من الأرشيف، ليصلا في ظرف قياسي إلى أعلى هرم السلطة في بلديهما. كان الباجي يردد امام الصحافيين يوم غادر قصر القصبة، بعد انتهاء مهامه على رأس حكومة فؤاد المبزع، أنه سيعود أخيرا إلى بيته لأخذ قسط من الراحة، وأنه مادام قد أتم مهمته على أحسن وجه وسلّم الأمانة لحكومة شرعية، أفرزتها أول انتخابات حرة وشفافة في تونس، فإنه لم يعد يفكر أو يطمح للعب أي دور سياسي في المستقبل. لقد ركن سنوات طويلة إلى ما يشبه العزلة المخملية ليظل طوال حكم الرئيس المخلوع بن علي بعيدا عن الأضواء، بعد أن تولى في بداية عهده ولفترة محدودة رئاسة مجلس النواب، ولكنه استدعي على عجل ليصبح وزيرا اول في الحكومة الانتقالية بدلا من محمد الغنوشي، الذي شغل المنصب منذ عهد بن علي واستقال تحت ضغط الشارع. من جاء به ومن فكر فيه وكيف خرج أو أخرج من ذلك الارشيف العتيق؟ سيظل ذلك التفصيل بالذات غائبا ومفقودا من السجلات الاصلية لرواية وصوله المدوي لقرطاج، مثلما ستظل اسرار عودة بوتفليقة إلى الحياة العامة بعد سنوات الهجرة والتغرب خارج الجزائر، في أعقاب عفو الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد عنه وطي صفحة الملاحقات والتتبعات القضائية التي صدرت ضده مجهولة، وستبقى بالمثل ايضا ملابسات ترشحه للرئاسة في أواخر التسعينيات كمرشح مستقل، ثم فوزه بها وربما إلى وقت آخر غير معلومة. كيف ظهرا الاثنان إذن من تحت الرماد؟ ولماذا فازا من بين آخرين كانوا مرشحين اكثر منهما للوصول إلى سدة الحكم؟ هل لعب الحظ أم التوازنات الداخلية أم العلاقات الخارجية، التي استطاعا نسجها حين عملا بالدبلوماسية، دورا مؤثرا وحاسما في ذلك؟ أم أنهما استطاعا بفضل ما تعلماه من بورقيبة ومن بومدين أن يعرفا متى وكيف ينقضان على أول فرصة تتاح لهما للوصول إلى السلطة؟
ما يعرفه الجميع هو أن بوتفليقة كان مقربا من الرئيس الراحل بومدين، وتولى على ايامه اكثر من مسؤولية، وظل يدعوه بعد رحيله بـ»أخي وصديقي ورفيقي في السلاح الرئيس بومدين». وما يعرفونه أيضا عن قائد السبسي هو أنه كان دائما في الدائرة المحيطة ببورقيبة، وشغل أكثر من منصب في حكوماته وظل يقول عنه إنه هو «من بنى الدولة العصرية وعمم التعليم وحرر المرأة». هل كانا يفعلان ويقولان ذلك فقط من باب الوفاء لرجلين عرفاهما عن قرب، وعملا معهما سنوات طويلة؟ أم من باب الحرص على اقتفاء اثرهما واستغلال ما يتمتعان به من شهرة و»كاريزما» في بلديهما لتحقيق حلمهما بالرئاسة؟ أم لرد جميل ما؟
ليس باستطاعة أحد أن يحسم بسهولة في ذلك. لكن ما اعترف به الرئيس التونسي الحالي هو أن الزعيم الذي ظل يمتدحه باستمرار «لم يكن يوما ديمقراطيا». ولأجل ذلك فقد اختار أن يقدم نفسه على انه هو من سيقوم بسد ذلك الخلل والفراغ الديمقراطي.
أما كيف؟ فلا أحد يدري بالضبط. عدا عن أن كل ما لمح له قبل شهور، هو أن ذلك لن يتحقق الا بتعديل الدستور، حتى يحصل الرئيس على المزيد من الصلاحيات ولا تتشتت السلطة وتتوزع على اكثر من موقع. أما خلاف ذلك فقد ظل يؤكد دائما على أنه حريص على صيانة الديمقراطية، وأنه لا يضيق أبدا بأي نقد أو انفلات إعلامي يوجه له على حد وصفه. لكن أليس ما يقوله ويلمح له هو أن يصير نسخة معدلة من بورقيبة، الذي مرّغ القانون والدستور وفصلهما على مقاسه ليصبح منذ السبعينيات رئيسا لتونس مدى الحياة؟ ثم أليس ذلك هو بالضبط ما فعله الرئيس الجزائري منذ فوزه بعهدته الرئاسية الاولى اواخر التسعينيات؟ لنتأمل قليلا مسار الرئيسين، لقد كانت فكرة الوئام الوطني هي قوة الدفع التي اعطت المشروعية لبوتفليقة وكانت معاداة الاسلاميين، ثم التوافق معهم هي حجر الزاوية في صعود قائد السبسي.
والمفارقة هي أن الرجلين، رغم اختلاف مدة حكمهما وتباين الظروف والملابسات المحيطة بهما، وصلا تقريبا إلى النتائج نفسها. لقد كررا الأسلوب وأظهرا طريقة التفكير نفسها في إدارة الدولة، ثم في التحضير الهادئ والمركز للمرحلة التي تلي حكمهما. أليس الشبه كبيرا جدا هنا بين قائد السبسي الذي تراوده الرغبة في تجميع مزيد من السلطات بين يديه، والذي مايزال مصرا على أن لا يعلن عن اي موقف واضح، مما يتردد حول اعتزامه الترشح لعهدة رئاسية جديدة، أو حول تفكيره في تحضير نجله لخلافته يوما ما، وبين بوتفليقة الذي ظل حريصا طوال سنوات حكمه على تعديل الدستور الجزائري أكثر من مرة، في سبيل الوصول لتلك الغاية، ولم يعلن بدوره موقفا واضحا ما يتردد حول اعتزامه الترشح مجددا لخلافة نفسه، رغم متاعبه الصحية، أو حول ما يراه الجزائريون تدخلا سافرا ومبالغا من شقيقه في شؤون الدولة؟ قد تقولون إن اختلاف النظامين هو الذي يحدد بالنهاية خط الرجلين ومسلكهما. وقد يكون ذلك معقولا وصحيحا إلى حد ما. ولكن أي فرق يجده التونسيون والجزائريون بين من يحكمهم باسم الديمقراطية ومن يقودهم باسم الشرعية التاريخية الثورية؟ وهل استطاع أي من الحكمين أن يمنع الفساد والتعفن البيروقراطي، أو أن يجدد حياة الناس ويجعلهم يشعرون بالثقة في حاضرهم ومستقبلهم؟
لقد تمسك الاثنان بحرسهما القديم ولم يفكرا، رغم كل الشعارات والوعود التي اطلقاها عن اليمين وعن الشمال في ضخ دماء جديدة في بلديهما. كما لم تبدل ريح الديمقراطية التي هبت على تونس كثيرا من طباع قائد السبسي، ولم تحوله لديمقراطي يقبل بتداول حقيقي على السلطة، أو يفكر في بلاده بمنأى عن الجيل الذي حكمها على مدى اكثر من ستين عاما. ورغم أنه قد لا يكون المسؤول الوحيد عن كل ذلك، فإنه لا يبدو منزعجا بالمرة من أن تعلق على باب جناحه الخصوصي الفخم كلمة الديمقراطية، من دون أن يفكر لحظة في البحث عن مكان ارحب وترك فندق ينزل فيه بالجناح المجاور له من تقول عنه الاستطلاعات انه اقل ديمقراطية منه.
كاتب وصحافي من تونس

لماذا لا يختلف قائد السبسي عن بوتفليقة ؟

نزار بولحية

مقالات سابقة