التستر على الإرهاب

د. مدى الفاتح

Oct-18

السؤال الذي كان يشغل بالي وأنا أتابع حدث لاس فيغاس المروّع، كالملايين غيري عبر شاشات الأخبار، كان: كيف سيستطيع إعلام العالم الحر «التستر» على مأساة كهذه؟ كلمة تستر هنا مقصودة، ولعلها تكون الكلمة الأكثر تعبيراً عما يحدث دائماً في مثل هذه الحالات عندما لا يكون المجرم ذا ملامح «شرق أوسطية» أو منتمياً للعالم العربي أو الإسلامي.
الذي حدث هو أن التستر على تلك الجريمة تم فعلاً ولم يعد أحد يذكرها، على الأقل في الإعلام العالمي الذي نتابعه، تلك الحادثة المؤسفة التي قام فيها رجل أبيض بإطلاق رصاص من نافذة غرفته الفندقية العالية على جمع كبير من الناس حاصداً أرواح العشرات من الأبرياء والمحتفلين.
بعد مرور أيام على الحادث الذي وقع في الثاني من هذا الشهر توقفت أصوات الشجب والإدانة والتحليلات المرتبطة بالعنف والإرهاب، مفسحة المجال لحديث فلسفي عن الحق في التسلح وحمل السلاح الشخصي. يذكّر هذا بما حدث في منتصف أغسطس الماضي، إبان الاحتجاجات التي قامت بها جماعات يمينية وقومية متشددة، مدعومة من قبل جماعات ذات تاريخ طويل في ممارسة العنف مثل «كو كلوكس كلان» في مدينة شارلوتسفيل الأمريكية. أدت التطورات المتصاعدة آنذاك لحادثة دهس لم ينشغل بها الإعلام إلا لساعات، قبل أن تتم التغطية عليها بحوادث قتل أخرى في ما بات يعرف إعلامياً بالأماكن الساخنة في العالم.
كارين عطية الكاتبة في صحيفة «واشنطن بوست» علّقت بسخرية على التعاطي الإعلامي والسياسي البارد مع جريمة تشارلوتسفيل وما فيها من استهانة بالأرواح، أو ما سميته أنا هنا التستر، عبر مقال جاء تحت عنوان معبر وهو: ماذا لو غطى الإعلام الغربي شارلوتسفيل بالطريقة ذاتها التي يغطي بها الدول الأخرى؟
الكوميديا السوداء في حادثة لاس فيغاس تمثلت في ذلك البيان البائس الذي أطلقه ما يعرف بتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي ادعى أن منفذ العملية، الذي تم التعرف عليه كمحب للسهر ولعب القمار، موالٍ له، ورداً على التساؤل البسيط المتعلق بديانة الرجل، الذي لم يكن مسلماً في أي وقت من أوقات حياته، ناهيك عن أن يكون متشدداً، رداً على ذلك ادعى التنظيم أن ستيفن بادوك أسلم قبل أسابيع، بل أصبحت لدى الرجل الستيني أيضاً كنية، أبو عبد البر.
لن نناقش هنا هذه الجزئية المتعلقة بذلك التنظيم الذي كان يظهر منذ البداية أنه فاقد للبوصلة وللاتجاه، هذا إذا كان قد امتلك أصلاً، وفي أي وقت من الأوقات، تلك البوصلة. لكننا سنعود لنسأل التساؤل البسيط والمشروع الذي وضعته شبكة بي بي سي البريطانية على صفحتها وهو التالي: لماذا لم يوصف منفذ هجوم لاس فيغاس بأنه إرهابي؟
لم يستطع تقرير الشبكة الإعلامية الشهيرة أن يقدم إجابة شافية على هذا السؤال، وإن كان قد أكد على حقيقة أن موضوع التحيز ضد المسلمين، والتستر على مثل هذه الأفعال الإجرامية التي يرتكبها غيرهم، قد صار مثار نقاش ليس فقط في العالم الإسلامي، وإنما عند النخب الثقافية الغربية نفسها، التي باتت تدرك المخاطر الاجتماعية والأمنية المترتبة على تلك المعايير المزدوجة في النظر إلى الإرهاب. مثل كارين عطية كتب توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» عن هذه الازدوجية في التعامل مع الأعمال الإرهابية. هل يمكن أن يكون التحجج بعدم وجود اتفاق على تعريف العمل الإرهابي أمراً مقبولاً؟ وإذا كان التسبب في قتل ستين شخصاً وإصابة المئات غيرهم ليس عملاً إرهابياً، فما هو الإرهاب؟ هكذا يتساءل كثيرون وبعودة بسيطة إلى تعريف ولاية نيفادا الأمريكية (تتبع لها مدينة لاس فيغاس) للعمل الإرهابي نجد أنه: «أي فعل ينطوي على استخدام العنف، بهدف إلحاق أضرار جسدية جسيمة أو وفاة بعموم السكان». هذا التعريف المختصر يبدو جامعاً ومانعاً، لكن مشكلته الوحيدة ربما كانت تكمن في أنه قد وضع قبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» ومن قبله «القاعدة» كتهديد إرهابي محتمل ضد الولايات المتحدة والمصالح الغربية. هذا المتغير الجديد جعل من ذلك التعريف وغيره من التعريفات المماثلة شديد البساطة، حيث يضع ما سوف يسمى «بالإرهاب الدولي»، وهو البديل الأكثر تهذيباً لتسمية «الإرهاب الإسلامي»، في مقابل أعمال إجرامية تعد منفردة وتحت السيطرة إذا ما تمت مقارنتها «بالتهديد الإرهابي الحقيقي».
بهذا المنطق يمكن أن نفهم النفي الجازم الذي قدمه مسؤولون كآرون روز من مكتب التحقيقات الفيدرالي وريتشارد بور رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ وغيرهم من المسؤولين لأي علاقة لهذا الحادث بالإرهاب.
هكذا تكون السلطات قد حدّثت قليلاً تعريف العمل الإرهابي ليصبح مقتصراً على الأفعال العنفية، التي يقوم به أفراد أو جماعات مسلمة. إلا أن السلطات ذاتها، ويحدث هذا في أوروبا كما يحدث في الولايات المتحدة، سوف تسارع للقول بأنها لا تعادي أي دين أو عرق بعينه، وترفض أن يؤخذ الجميع بجريرة إرهابيين ومهووسين لا يشكلون إلا جزءاً لا يذكر من عموم المسلمين.
هل يعد هذا الاعتذار كافياً؟ ربما كان ليكون كذلك لو كان المسلمون يقومون فعلاً بجميع أو معظم عمليات الإرهاب في العالم، ولو كان الإرهاب الذي يأتي من غيرهم مجرد استثناء، لكن الأمر ليس كذلك. كل ما يحدث هو تعمد أجهزة الإعلام التركيز على ما بات يعرف «بالإرهاب الإسلامي» لخدمة أجندات سياسية واقتصادية معقدة، على رأسها دعم الخطاب اليميني ومحاولة أخذ تفويض كامل لفعل ما يجب فعله حماية للأمة وإن قاد ذلك للتضحية ببعض معايير الحريات وحقوق الإنسان.
من المثير على سبيل المثال الإحصاء الذي قامت به الوكالة الأوروبية (يوروبول) الذي يشير إلى أنه، وخلال الخمس سنوات الماضية، فإن نسبة الهجمات الإرهابية التي قام بها مسلمون داخل أوروبا والولايات المتحدة كانت أقل من 2 في المئة. هذا يؤكد لنا حقيقة أن هناك العشرات من الحوادث التي لا يسمع بها أحد، كما يعني أننا جميعاً ضحية لإعلام انتقائي غير محايد.
لعل قليلين منا يذكرون ما حدث في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 2015 في مدينة لاس فيغاس نفسها، حينما قامت سيدة بعملية دهس ظلت تفاصيلها غامضة. ورغم الصدمة، سارع الإعلام والشرطة للتستر على الحادث والتقليل من شأنه، على اعتبار أنه قد يكون جريمة مؤسفة حقاً ولكنه ليس إرهاباً.
المشكلة أن هذا التعريف «المحدّث» للإرهاب لم يعد يقتصر على العالم الغربي، بل تعداه ليصبح تعريفاً معتمداً في أغلب بقاع العالم، بما فيها العالم الإسلامي، فكم من مجرم هو اليوم طليق رغم ما ارتكب من جرائم مروعة بحق أبرياء فقط لأنه غير مسلم أو لأن ضحاياه من المسلمين!
كاتب سوداني

التستر على الإرهاب

د. مدى الفاتح