الشلة الحاكمة تتصرف بمقدرات الأمة

إحسان بن ثامر

Oct-18

بينما كان أبرهة الحبشي منشغلا في تصميم وبناء كعبته ( غرقة القليس ) والتي وضع أساس أنقاضها في أرض العروبة اليمانية من أجل أن يصرف أنظار العرب ويحوّل وجهتهم من كعبة الله المقدسة إلى خربة أحجاره المكدسة إلاّ أن جميع قوته الديكتاتورية وفنونه المعمارية وأشكاله الهندسية باءت بالفشل والخسران ولم تؤثر على قومٍ آمنوا للربِّ بالفطرة والوجدان وإن كانوا في حينها عاكفين على عبادة الأصنام والأوثان لأنّها كانت تقربهم لله زلفى كما يعتقدون بما فيها تلك التي كانت موضوعة في داخل الكعبة المشرفة وكيف يكون ذلك لأبرهة ويُمكّن لما يَصبُ إليه وهو يريد صرف الناس عن بيتٍ جعله الله مثابة وأمنا ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ).
ويا للعجب الذي لا يريد أن ينقضي فإنّ أبرهة الحبشي إختار أرضاً تمثل أصل العروبة وجذورها لكي يصرف العرب عن عقيدتهم ويسيطر على قرارهم ومقدراتهم ولا أعلم لماذا دائماً هكذا هي الصدف والأقدار بحيث تجعل من الأصل والمحور الأساسي مقراً لضرب المجتمعات وتفتيتها ! انتقل أبرهة الحبشي إلى مرحلة الانتقام من العرب بعد اليأس من ثنيهم عما يعتقدون ويعبدون بتدمير كعبتهم رداً منه على تمسكهم بها وعدم الاهتمام بكعبته التي اهتم ببنائها من أجل أن يُثبّت أركان عرشه، فالحكم والسلطان يتممه البعد الديني والغيبي لكي يضفي شرعية عليه مما يمكنه إستعباد الناس وجلد ظهورهم بالسياط وينبغي عليهم مع العبودية والهوان أن يكونوا له من الشاكرين حيث كان السبب بشمولهم بركات الخالق ورحمته من خلال ذلك الوريث المدلل الذي لم يخلق مثله في البلاد ولا يخفى على المتتبع اللبيب أن على شاكلته الكثير الكثير و إلى يومنا هذا ونحن في زمن المعرفة والتنوير!
فجهز جيشاً عرمرماً بعدته وعتاده وبالفيلة الضخام واتجه إلى البيت العتيق بَيْد أنّ الجيش الهائج قد واجهته مشكلة ألا وهي معرفة الطريق إلى كعبة العزيز القهار حيث أن الجُند لا يعرفون الطريق المؤدي إليها فحاولوا أن يستعينوا بشخص من الساكنين بتلك البقاع لكن من دون جدوى فلا ثمة أحد قد تجاوب معهم سوى الشخص الذي إستحق لقب العار والشنار، ومثل هكذا فعل من الخيانة مذموم وقبيح في عاداتهم وتقاليدهم ، وإن تبادر للذهن سؤال بكيف أنّ ديكتاتور كأبرهة الحبشي بطغيانه وجبروته يعصى له أمر من قوم مستضعفين لاحول لهم ولا قوة ؟
وأيضاً بكيف أن لا أحداً في الجيش يعرف الطريق لمكان قد كان يمثل مقصداً تجارياً مهماً ويقصده الناس من كل فجٍ عميق، خصوصاً أن أرض اليمن ليست بعيدة عن أرض الحرمين ؟ فأُجيب عن هذا التساؤل الذي قد يتبادر للأذهان بأنّ المقام ليس مقاماً للتحقيق في صحة هذه الرواية من عدمها بل أرويها كما وردت في مصادرنا التاريخية حيث أنها تضمنت لشاهدٍ كان ومازال تضرب به الأمثال لشخص يقال له ( أبو رغال ) وهو الوحيد الذي إستجاب أن يساوم على ضميره ووجدانه حيث قام بخيانة قومه ومجتمعه وإنضم لمعسكر جيش جاء لتهديم بيت يُمثل رمزاً له ولذويه وسوقاً تجارياً مهماً لهم حتى نال لقب الخيانة الأبدية وأصبح هذا الإسم بعد أن قبض صاحبه الرز وهو أبخس الأثمان رمزاً على الخيانة ( أبو رغال ) وإذا اُطلق على شخصٍ أو على قوم فيراد منه ذلك الموقف الذميم والفعل المشين .
أكتفي بهذا الإقتباس من مشهدٍ تاريخي قد اكتفى لنا بنقل موقف لشخص واحد كان مثالاً للخيانة بين قوم رفضوا أن يلعنهم التاريخ كما لعن المشوه العاق، وهم في أضعف حال قبال ذلك الجيش المتوحش إيماناً بأوطانهم ومبادئهم ويا ليت شعري كم أبو رغال لدينا اليوم ؟
فكم نقيد من أعداد وكم نترك وعن أيِّ زعيم نتحدث فضلاً عن عامة الناس أو حزبٍ أو فصيلٍ أو تيار ! فهل نتكلم عن الذين نُسجت أرواحهم بالعبودية للأفكار الدخيلة والقيادة المستوردة من الخارج وباتت أوطانهم مسرحاً للأحداث ولا يجنون من التبعية والعبودية سوى التخلف والخراب والدمار، ويا ليتهم كانوا يتنعمون ببحبوحة من العزة والكرامة لما احترق الفؤاد أم قادتنا الذين باعوا الأوطان وحولوها إلى بلادٍ لتصفية الحسابات فأموال الأوطان والشعوب قد أصبحت حلالاً زلالاً على المستبدين وبائعات الهوى ومنكرات الأمراء وسُحتاً وحراماً على مالكيها من الكادحين والعاملين والمناضلين على وحدتها ونهضتها …
ولله درّ نزار قباني حينما قال :

في عصرِ زيت الكاز يطلبُ شاعرٌ
ثوباً وترفل بالحرير قِحاب !

ولا يوجد وبال وبلاء قد أصابنا ودمر أمتنا وثقافتنا يضاهي الوباء الذي جلبه إلينا الطائفيون من آل رغال فهم أولى بهذا اللقب من غيرهم ومَن هو الذي يستطيع أن يجرؤ وينازعهم عليه ، فقد صدّعوا رؤوسنا لسنين وعقود بشعارات الإيمان والوطنية والنزاهة والتغيير في سنوات النضال كما عنها يعبرون ثم إتضح لنا أنها سنوات التدريب على إمتهان الإختلاس والسرقات وسحقاً للطائفية البغيضة والحزبية المقيتة التي تسري في دمائهم وعروقهم فهم يتنفسونها إستنشاقاً ولا ثمة أمل يرجى من وجود مضاد حيوي يعالج وباءهم القاتل والفتاك حيث أنهم يتاجرون بأقدس الأشياء من أجل مصالحهم الدنيئة وأهون ما يكون عندهم الولوغ بدماء الأبرياء ولا فض فوه قيصر الفن العربي الأصيل والساهر على رقيه الفنان ( كاظم الساهر ) وهو يرنم نشيداً يناغم فيه نفوساً حرةً لا تقبل الذُل والهوان وعيوناً شاحبة كانت شاهداً على جريمة إغتيال الوطن وقد كان فيما مضى نزداد حرقة وألماً عندما نُلاحظ فيه المجرم طليقا على أشلاء الأبرياء أما أن يتحول المجرم والسارق لقائد للوطن والمتصرف الوحيد في مقدرات الأمة والبلاد فهذه مسألة فيها نظر !

يرتدي شعبي شوكاً
والجنائـنُ بابليَّـة

أتُبيحـونَ دِمـاءً ؟
يشهدُ الله زكيَّة

أيُّ كذبٍ وادِّعـاءٍ
يا دُعاة َالطّائفيَّـة

واحدٌ شعبي ويبقى
اِرْحَلي يا هَمَجِيَّـهْ

كاتب من العراق

الشلة الحاكمة تتصرف بمقدرات الأمة

إحسان بن ثامر