فيلم «الخلية»: سامر المصري نجم استثنائي وطارق العريان روعة بصرية

د . مارجو حداد

Sep-14

الإبداع لا وطن له، المهم رؤية المبدع، يذكرنا فيلم «الخلية» في البساطة والشفافة، التي يتناول من خلالها حيثيات اجتماعية وأسئلة ملحة حاسمة. فيلم كبير بحجم أوجاع الإرهاب في الوطن العربي، ينتمي المخرج المتميز طارق العريان إلى هؤلاء السينمائيين. حيث يقدم نضجا وحساسية شغوفة قد تفتحت على بهاء العالم وجلال السينما.
إنه يكشف خصوصية تجربتة والصراعات التي نعيشها في كل بلد عربي تقريبا، من خلال لمسة إنسانية عميقة فكان نقاء الحس الجمالي ورهافته، وسط الألم والسؤال المتواصل كان المخرج يدفعنا إلى أن نشاهد بطريقة مغايرة ليكون بإمكانك أن تتمتع بغزارة التفاصيل ليكون فن البساطة في أحلى مظاهره وفن إبراز المواهب المذهلة، والبسيط ليس بسيطا، يعرف أن المخرج الذكي يجب علية اقتناص الجمال لهزيمة القبح، اهتم المخرج بمشاهد الأكشن فكانت من أروع مشاهد الأكشن في السينما المصرية، وتحسب لطارق العريان مهارة إخراجية وحرفية واضحة أما المكان فيبدو تأثيره على الشخصيات أكثر من الزمن، فالليل هو الزمن الأمثل لاكتشاف الأماكن، حيث يمارس الإرهاب والعنف باطراد، فكان التداخل الجدلي بين باطن مشروخ مهمش وخارجي عدواني، فالفيلم منذ الوهلة الأولى يقيم علاقة بالواقع بالاعتماد على قدرات البنية الفيزيائية والامتداد الاجتماعي والبعد السيكولوجي للشخصيات، ورغم أجواء التوتر والمطاردات في الفيلم إلا أن المخرج يقدم مشاهد لا تخلو من روح الدعابة، ويكمن ذكاء المخرج في التوجه الشعبي الجماهيري للفيلم، حيث اختياره لموضوع من مواضيع الساعة، أي الإرهاب وهذه المواضيع باتت تشغل أذهان الناس ووسائل الإعلام، أما الإنارة فكانت مناسبة لنفسية الشخوص وأمكنة اختبائهم. واستثمر الضوء بشكل وظيفي حيث ساهم التوظيف بهذا النمط في إغناء البعد الدرامي للفيلم وطريقة المونتاج الصائبة، التي اعتمدها المخرج فبالنسبة له لا يصدر المونتاج أبداً عن توجة ذهني عقلاني، وإنما عن دفق من المشاعر الباطنية المختزنة، صحيح أن الخطاب السائد يدعوك إلى مشاهدته من وجهة نظر سينمائي يريد هو اتخاذ موقف دون لف ودوران من الإرهاب وهنا كانت المتعة، وهذه أهم وظيفة للسينما، أما الإيقاع فكان مبنيا على الأمل، والأمل هو الثورة والحرية، أما الأدوار النسائية فكانت سطحية وغير عميقة، ودائما في أفلام الأكشن العربية الأدوار النسائية مهمشة، عكس السينما العالمية، هناك نجمات تفوقن على الرجال وسطعن بأدوارهن كبطلات أكشن، هناك ميزة أخرى أثرت الفيلم كثيرا ومتنت من تلاؤم أجزائه ألا وهي الأداء البارع والمعبر لبعض ممثلية والذين أحسن المخرج اختيارهم، إذ كان الحوار على لسان الشخصيات يشعرنا أنها تنبع دون تكلف أو تصنع في تناغم مع سرعة الفيلم وإيقاعه المشحون، الذي يكون تارة لذيذاً وطوراً مريرا، مما يجعلنا ننخرط في لعبتة.
إنه بناء واع يعيد تأمل العواطف والأفكار البشرية، مجمل الشخوص في «الخلية» مجروحة مهانة متألمة يسعى كل واحد منها للبحث عن خلاص، حسب طريقته، حيث البناء في حقيقته أقرب إلى عدة صناديق متداخلة مليئة بالشخصيات، وكل شخصية تقودنا إلى نماذج أخرى، حيث السحر والمفاجأة، النجم «أحمد عز» لأول مرة نشاهده مختلفاً ومقنعاً، وهنا يكمن الذكاء أن يبقي النجم محافظا على مكانته واحترامه في قلوب الناس، والفن ذاكرة المشاهد.
استطاع الفنان بتفوق في هذا الفيلم أن يعود بقوة من خلال دور متميز، حيث يلعب ضابط عمليات خاصة يواجه القدر بلا ندم أو خوف، الإنسان المخلص حامي الوطن، يتمتع بقوة داخلية كبيرة شخصية جديدة أتقن بناءها فكانت مغايرة تماما لما كنا ننتظره، واعتقد أنها أهم أدواره على الإطلاق.
دوماً تلوح في سمائنا نجوم متميزة ونسعد بلمعانها النجم «محمد ممدوح» منح الفيلم عمقا مدهشا يترك بفضل نظراته أثرا في النفوس تثيرك وتهز حواسك، فكانت شخصية حاضرة بكل ثقلها لرسم ملامح وعلامات الخريطة البصرية للفيلم، طاقة مذهلة في اقتناص التفاصيل والجزئيات الموجعة، يجعلك ترى واقعك بشكل أعمق ومتزن، ومن ايجابيات الفيلم وجود النجم العربي «سامر المصري»، مسيرة فنية حافلة بالتجديد والعطاء والإبداع سيفتح صندوقه الخاص لشخصية هامة واستثنائية «أبو العز» تختزل لوحدها آلام المعذبين إذ ينضم إلى تنظيم إرهابي بلا مبالاة.
أدهشتني قدرة النجم سامر المصري على الإمساك بشخصيتة مع تحقيق الإشباع والتفصيل اللازم، حيث يجعل منه قلقه الوجودي كائناً مستعداً لكل التجارب والمغامرات، إن ما يشدنا إلى شخصية «أبو العز» هو التمزق والتقطع والألم الذي يؤرقة ويسمم حياتة ويسد أمامة طريق الخلاص، فحصد الخيبة، شخصية تكسر المألوف والعادي لتقول أشياء هامة عن إنسانيتنا، التي نتركها فلا تتركنا، خلف هذا العنف تكمن نظرة رومانتيكية إنسانية روح قلقة ورغبة في التمرد، وتحلم بإنسان جديد يصنع قدره، وفقا لقدراته.
«أبو العز» يجسد باني الحضارة وهادمها عن موت الضمير، الذي يسكن بعض البشر.
يستخدم سامر المصري أدواته بذكاء وحرفية كبيرة مع أدق الحركات واللفتات والسكنات، تفاصيل تعكس الوعي والنضوج تحت ستار من السرد الشيق، الذي يجعلك غير قادر على أن تترك الفيلم فكانت الشخصية لها تأثيرها كالرصاص على المشاهد (الإرهابي بعيداً عن الشكل المتعارف عليه)، نجم يشاهد بالقلب والعين فإذا فعلت ستتعرف بكل تأكيد على نجم من نوع خاص، يذكرنا دائما أن الاحتراف والنجومية ليس انتقاء صور ووضعها داخل ألبوم أو بطاقة تحمل مهنة ممثل أو موقع إلكتروني…الخ النجومية وعي وتراكم معرفي خوض في لب المعرفة وتمرين قاس على الذات لتجعل المتلقي سعيدا من تلقي المعرفة منغمسا في لعبة الجمال والتمثيل يعتمد على الإقناع والإدهاش قبل الشكل…..»سامر المصري» جعلت من شخصية «أبو العز» وظلام قاعات السينما أنوارا لرؤية كبوات الذات في مرايا الشاشات.
طارق العريان، جعلت الخلية تنتج خلايا حب ووطنية ستبقى لوقت طويل في ذاكرة الناس برؤية بصرية مذهلة، أما صوت أصالة في نهاية الفيلم فهو صوت حب وسلام عجيب مخطوف من الزمن ومصادفاته.

مخرجة وممثلة ومتخصصة في الدراما

فيلم «الخلية»: سامر المصري نجم استثنائي وطارق العريان روعة بصرية

د . مارجو حداد