السودان يزعزع حكومة اليابان و«كيم» يهدد بسحقها

رشيد خشانة

Sep-14

منذ أن اضطرت وزيرة الدفاع اليابانية تومومي إينادا إلى الاستقالة في أواخر تموز (يوليو) الماضي، ورئيس الوزراء المُحافظ شينزو آبي (62 عاما) لا يُواجه سوى المصاعب والمطبات، لا سيما مع تصعيد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون تهديداته بقصف الجزر اليابانية بالصواريخ الباليستية. وانطلقت المتاعب الحالية مع رفض وزيرة الدفاع السابقة الكشف عن تقارير تخص أوضاع «قوة الدفاع الذاتي» (الجيش) المرابطة في جنوب السودان، في إطار مهمة أممية لحفظ السلام، وهي وثائق تعود إلى تموز (يوليو) من العام الماضي، وتُحذر من تعرُض القوات اليابانية إلى مخاطر أمنية.
وزعمت وزارة الدفاع أن الوثائق أعدمت، لكنها عادت وأقرت أن قسما منها تم العثور عليه في أحد الكمبيوترات. ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك بالإعلان عن أنها فتحت «تحقيقا داخليا» في الأمر، وأن التحقيق أثبت وجود انتهاكات خطرة للقانون ارتكبها مسؤولون في الوزارة، مع التشديد في الوقت نفسه على «براءة» الوزيرة من أي مسؤولية في إخفاء الوثائق. لكن سرعان ما قدمت إينادا (58 عاما) استقالتها، كما استقال معها أيضا رئيس أركان جيش البر الجنرال توشيا أوكآبي، ما تسبب بزعزعة حكومة آبي المُتضعضعة أصلا، تحت وقع خمس استقالات سابقة من حكومته بسبب فضائح.
وتميط التقارير اللثام عن تدهور أوضاع القوات اليابانية المرابطة في جنوب السودان، وهي تقارير لو نُشرت في العام الماضي لأضعفت موقف الحكومة، ونزعت من أيديها المُبررات التي استندت عليها لتجديد مهمة «قوة الدفاع الذاتي» هناك. ويتخوف اليابانيون من احتمال الانجرار إلى صراعات خارجية لا علاقة لهم بها.
يهيمن «الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني» الذي يقوده آبي، على الحياة السياسية في اليابان منذ ستة عقود، أما هو فتولى رئاسة الحكومة في العامين 2006 و2007 قبل أن يعود إلى سدة الرئاسة مُجددا في أعقاب انتخابات 2012. ويتعين على آبي وحزبه أن يحسما موقفهما من قضايا جوهرية تشغل بال الرأي العام الياباني قبيل الانتخابات العامة المقررة السنة المقبلة، وفي مقدمها تعديل البند التاسع من الدستور من أجل تحويل «قوة الدفاع الذاتي» إلى جيش نظامي وهجومي، أسوة بالجيوش الحديثة في البلدان الصناعية الأخرى. وبموجب الدستور الحالي، الذي تم سنُهُ في العام 1947 تعهدت اليابان بالامتناع عن بناء قوات برية أو بحرية أو جوية، أو أي قوة حربية أخرى، تكريسا لـ»تخليها عن الحرب إلى الأبد». ولم يتم إدخال أي تعديل على الدستور منذ سنِه، وبسبب هذا البند ظلت اليابان، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحتفظ بقوة دفاعية فقط طيلة أكثر من سبعين عاما.
غير أن آبي يسعى لمراجعة هذا البند، مُعللا ذلك بضرورة مؤازرة القوات الأمريكية، ومن أجل تطوير الإمكانات العسكرية، التي يمكن استخدامها عاجلا في الدفاع عن البلد، في وجه الهجمات الصاروخية المحتملة من كوريا الشمالية. وكانت وزيرة الدفاع المستقيلة إينادا، من المتحمسين مع عدد من الوزراء الآخرين، للدفاع عن تعديل البند التاسع من الدستور، حتى أن تسميتها على رأس وزارة الدفاع أثارت تساؤلات موجهة إلى رئيس الحكومة، بسبب مواقفها القومية المتشددة. وتدعو إينادا منذ انتخابها عضوا في البرلمان عام 2005 إلى الامتناع عن الاعتذار عن دور اليابان في الحرب العالمية الثانية، لا بل وردِ الاعتبار للقادة العسكريين اليابانيين الذين خاضوا تلك الحرب.
وخلال المنافسة الانتخآبية الأخيرة مُني «الحزب الديمقراطي»(مينشنتو) المعارض بهزيمة، وخسر مقاعد نواب مجلس محافظة طوكيو، أحد معاقله الرئيسية. وبعد تلك الهزيمة اضطرت رئيسة الحزب رينهو موراتا للاستقالة من رئاسته، بعد أقل من سنة على تسميتها في هذا المنصب. وفي خط مُواز تراجعت شعبية آبي أيضا، حسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة «ماينيشي شيمبون» في أواخر الشهر الماضي، إلى 26 في المئة، أي أنها نزلت بنسبة 10 في المئة قياسا على الشهر السابق. ويؤدي إضعاف آبي إلى تعطيل مشروعه الرامي لتعديل البند التاسع من الدستور، وتحويل «قوة الدفاع الذاتي» إلى جيش حقيقي. ويُعزى ذلك التراجع إلى أن غالبية اليابانيين لا يشاطرون مشروعه الرامي لإنشاء جيش قوي ذي طابع هجومي، فضلا عن مجابهته أخيرا فضيحتين كبيرتين، تخُصَان الاشتباه بتقديمه تسهيلات غير قانونية لمجموعات تعليمية خاصة.
وأمام آبي اليوم طريقان لإصلاح الدستور، الأولى هي الاعتماد على غالبية مؤلفة من ثلثي النواب في غرفتي البرلمان، وهو أمرٌ ممكن حاليا، لكن الصعوبة تكمن في أنه لا يستطيع أن يضمن المحافظة على هذه الغالبية بعد انتخابات العام المقبل. أما الطريق الثانية فتتمثل في اعتماد التعديل الدستوري عبر إجراء استفتاء شعبي، سيكون الأول من نوعه، غير أن نتيجته ستعتمد على مدى قناعة اليابانيين بضرورة الإصلاح المنوي إدخاله على المؤسسة العسكرية. أما السيناريو الآخر فهو أن يتم التداول داخل الحزب الحاكم نفسه، بتخلي آبي عن الزعامة لصالح وزير الخارجية الحالي فوميو كيشيدا، أو الرجل الثاني في الحزب شيغيرو إيشيبا، علما أنهما لا يعترضان على مشروع تعديل الدستور، وإن كانت لديهما ملاحظات على أداء رئيس الوزراء.
وإذا ما أخفق آبي في العودة إلى سدة الرئاسة، فإن الرابح سيكون المُنشقون عن حزبه، أو حاكمة طوكيو يوريكو كويكي، التي لقنته درسا قاسيا في انتخابات تجديد المجلس المحلي للعاصمة طوكيو، بعدما استقطبت أعضاء من الحزب الحاكم وشكلت تيار «أهل طوكيو أولا». وإذا ما انهزم حزب آبي في انتخابات العام المقبل، سينتقل حكما إلى المعارضة ويتبدد، أو يتأجل، مشروعه لتغيير المؤسسة العسكرية.
لكن يجوز القول إن التهديدات المتزايدة الآتية من كوريا الشمالية تخدم موقف آبي وتُفحم منافسيه السلميين، فقد طلبت وزارة الدفاع من البرلمان زيادة بنسبة 3 في المئة في موازنة السنة المقبلة، لتحسين جاهزية الجيش لاعتراض الصواريخ التي تُطلقها كوريا الشمالية. ويلتزم اليابانيون التزاما صارما بالامتناع عن الرد على الهجمات الصاروخية، مُكتفين باعتراضها في الجو، انسجاما مع الروحية السلمية للدستور والتزاما بنصه. وستُستخدم الزيادة في الموازنة لشراء مزيد من البطاريات لصواريخ آس آم 3 الاعتراضية وأنظمة رادار واستشعار متطورة. وتتولى حاليا القوات الأمريكية المرابطة في قاعدة أوكيناوا (جنوب اليابان) اعتراض الصواريخ الكورية الشمالية، بينما يتهيأ اليابانيون لتولي تلك المهمة بأنفسهم.
ومع أن أجواء التهديدات الحالية تُخفف من الضغوط على الحكومة، يعتقد مراقبون أن تفجُر أي فضيحة جديدة سيقضي على آمال الحزب الليبرالي الديمقراطي بالبقاء في الحكم، وعلى مشروع زعيمه آبي بإصلاح الدستور، ويمنح فرصة للحزب الديمقراطي للعودة إلى الحكم.

٭ كاتب تونسي

السودان يزعزع حكومة اليابان و«كيم» يهدد بسحقها

رشيد خشانة