سر الاندفاع الكردي المفاجئ نحو الانفصال

أمير المفرجي

Sep-14

سعى الكرد في العراق إلى إعادة إحياء مشروع إقامة دولة مستقلة منذ بداية غزو الولايات المتحدة لبلاد الرافدين في 2003، على الرغم من الخصوصية والأفضلية التي أبداها الغرب للكرد العراقيين في سلم درجة هرم النظام السياسي الجديد، الذي ضمن لهذا المكون العريق، الحرية القومية والسياسية الكاملة في إدارة الإقليم، وكفل لهم دورا محوريا مهما في الحكومة الاتحادية، من خلال بنود الدستور الجديد الذي جاء به بول برايمر، الذي أعطى الأولوية والاسبقية في إعادة تكوين المشهد السياسي الجديد للأحزاب الشيعية والكردية، في عملية تمثيل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية في حكم الدولة الجديدة، وعلى حساب تيارات المكون الوطني العراقي العابر للطوائف والقوميات.
ورغم حجم الامتيازات التي حصل عليها الكرد في النظام الجديد، والتواجد المميز في الدولة المركزية وإقليم كردستان على حد سواء، بالإضافة إلى الرمزية السياسية في إناطة منصب رئيس الدولة لشخصية كردية وجعله إلزاما دستوريا، إلا أن الزعماء الكرد يبدوا أنهم أفاقوا، بعد قرب نهاية تحرير العراق من «تنظيم داعش» ليجدوا ان الدولة المركزية، التي يشاركها الكرد ممثلة بالرئيس الكردي فؤاد معصوم والوزراء الكرد في بغداد بعد أربعة عشر عاما من المشاركة بالحكم، ليست سوى «حكومة طائفية تبطش بالسنة ولا وجود للديمقراطية والفيدرالية في العراق». وأنه حان الوقت لإجراء الاستفتاء والتباحث مع حكومة بغداد، والبدء في حسم المسائل المتعلقة برسم الحدود الجغرافية والنفطية.
يبدو ان زعماء حكومة أربيل الموالية لواشنطن والغرب رأوا في مشروع الاستقلال، خطوة منطقية وردا من واشنطن لجميل الأحزاب الكردية، التي وقفت مع الإدارة الأمريكية في حرب الخليج عام 1991 ومن ثم عملية غزو العراق في 2003، حين ساهمت القيادات الكردية بدور كبير في دعم عملية إسقاط النظام العراقي، رغم اعتراف النظام البعثي في اتفاقية 11 آذار بحق الشعب الكردي في إقليم ولغة وحكم ذاتي، مقارنة برفض إيران وتركيا إعطاء الحد الأدنى من الحقوق التي حصل عليها أكراد العراق. وهذا ما يفسر طبيعة العلاقة المتميزة التي تربط أمريكا بالكرد في العراق حيث يعتقد الكرد أنهم استحقوا هذا الاستفتاء الذي وعدوا به منذ فترة طويلة.
لا شك بأن الأحداث الداخلية التي مرت في العراق منذ غزوه، وما رافقها من تحالفات دولية وإقليمية، رجحت كفة إقليم كردستان، وجعلت منه الحليف السياسي والعسكري الثابت للولايات المتحدة، من خلال دعم قوات البيشمركه لجهود أمريكا في تواجدها المستمر في العراق منذ عام 1990 مقارنة بالعلاقات المحتقنة التي تميز التيارات العربية القومية السنية التي قاومت الاحتلال الأمريكي ورفضت بقاءه على التراب العراقي، والتقائها في خط رفض التواجد الأمريكي في العراق مع ميليشيات الأحزاب المذهبية الشيعية الموالية لمشروع الهلال الشيعي الإيراني، المنافس للوجود الأمريكي ومصالحه في العراق، الذي ينفذه الحرس الثوري الإيراني، بإشراف الولي الفقيه، رغم الاختلاف المذهبي والقومي في الأهداف.
في الوقت نفسه، كان من مصلحة أمريكا مد يد العون لميليشيات إيران للقضاء على تهديد «تنظيم داعش» ولكن مع تضاؤل هذا التهديد وقرب انتهائه، أصبح من المحتمل أن تقوم إيران بالاستفادة من زوال تنظيم «الدولة» بتثبيت أهدافها السياسة في المنطقة، وتنفيذ مشروعها القومي في العراق وسوريا، للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، تماشيا مع الاستراتيجية الإيرانية لإقامة هلال الهيمنة الطائفي في العراق وسوريا ولبنان، وهذا ما سيؤثر على مصالح أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، ويفسح المجال للقطب الروسي والصيني للتمدد من خلال إيران.
يبدو ان الرؤية الأمريكية السائدة لمستقبل العراق، تتمثل في بناء كيان فيدرالي مستقر، يُحتم على الأكراد العمل مع الحكومة المركزية في بغداد، إذا أخذنا بعين الاعتبار المخاوف التركية الحليفة للولايات المتحدة من ولادة دولة كردية مستقلة على حدودها الجنوبية، واحتمالات ملء الفراغ من قبل روسيا وتركيا وإيران، بعد طرد تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا. بيد ان المخاطر المحتملة المقبلة على المشهد العراقي، الناتجة عن استمرار وتصاعد النفوذ الإيراني على النظام السياسي العراقي من خلال التأثير في نتائج الانتخابات المقبلة، وتشجيع الأحزاب والتيارات التي تدين بالولاء للنظام الإيراني، هي التي تدفع لتقسيم البلاد من خلال صراع القوى الاستعمارية وحيثيات تواجدها الجغرافية والبشرية التي ترتبط بمصالحها.
لا شك بأن الولايات المتحدة سعت ومازالت تسعى إلى إرساء ديمقراطية فيدرالية بين المكونات العراقية، ولكن منذ انسحاب القسم الكبير من الجيش الأمريكي من العراق عام 2011، عملت إيران على إفشال هذا المشروع، والبدء بملء الفراغ الناتج من غياب الدولة التي أسقطها الاحتلال، من خلال سيطرة الأحزاب التابعة لها على المؤسسات الحكومية والعسكرية العراقية، رغم سعي رئيس الوزراء حيدر العبادي للحفاظ على شكل من الاستقرار والتوازن السياسي بين واشنطن وطهران، نتيجة لسيطرة الأحزاب القريبة من إيران على الوضع السياسي والاقتصادي للعراق، إلى درجة ربط الدولة العراقية ومؤسساتها السيادية والاقتصادية بالحرس الثوري الإيراني، ما أثار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بمواقفه الرافضة لتصاعد القوة الإيرانية المتنامية، في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، مقارنة بسياسة إدارة باراك أوباما السابقة التي تجاهلت الدور الإيراني في العراق، لظروف ترتبط وتتعلق بإرادة الغرب للوصول إلى اتفاق على الملف النووي الإيراني.
من هنا، أضحت عملية بناء عراق ديمقراطي فيدرالي مستقر وحليف لواشنطن، أشبه بحلم لا يمكن تحقيقه، خلافا للمؤشرات في إقليم كردستان الذي استطاع أن يكون الحليف والحارس الأمين الذي يضمن للولايات المتحدة، الحفاظ على مصالحها في مواجهة المد الروسي الذي تدعمه إيران، التي تمثل القوة الدخيلة البارزة في النظام الحاكم في العراق، الذي تقوده الأحزاب الطائفية وتحميه الميليشيات الخاضعة لسيطرتها، بعد تعهدها بقتل الامريكيين والبدء في محاربة القواعد العسكرية في العراق، بعد الانتهاء من طرد «داعش» عن طريق مليشيات كتائب حزب الله العراقي التي تأسست عام 2007 وهي الذراع المتطور التابع لحرس الثورة الإسلامية، الذي خصص لاستهداف القوات الأمريكية وإجبارها على مغادرة العراق، وهذا سيدفع واشنطن للبدء بطرد الميليشيات الإيرانية ومحاربتها بمجرد انتهاء طرد «داعش» نهائيا من العراق.
ورغم رفض النظام الإيراني لدعوة تقسيم العراق، التي أطلقها مسعود بارزاني لإقامة دويلة كردية، لأن ذلك يهدد مصالحها ويعزز من طموحات أكراد إيران، إلا ان استراتيجية الولايات المتحدة لإعادة بناء عراق مستقر ومتجانس يشمل الكرد والقوى الرافضة لنفوذ طهران، قد يهدد الاستراتيجية الإيرانية المتمثلة في عراق موحد ضعيف يُدار وُترسم سياسته من قبلها. من هذا المنطق، أصبح من الواضح، ان تطور مراحل الحلم الكردي في الانفصال ونضوجه المفاجئ والسريع يرتبط ويعتمد على طبيعة التداعيات المقبلة للمشهد السياسي العراقي، وشكل وموقف الحكومة العراقية من التوجه الإيراني تجاه التطورات والقضايا الإقليمية والدولية.
من هنا ترجم موقف مسعود بارزاني الحليف الأمين والوحيد لواشنطن في العراق في الذهاب إلى الاستفتاء الكردي، الموقف الأمريكي الرسمي والإرادة لبدء تحالف أمريكي ـ كردي لتأمين التواجد العسكري للدفاع عن مصالح واشنطن المهددة من التواجد الإيراني في المعادلة الروسية ـ الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى حساب وحدة العراق وشعبه. وهذا يعني ارتباط نظام الولي الفقيه ومسؤوليته في عملية تفتيت العراق، وهدم النظام الوطني المدني بكرده وعربه، من خلال إصرار ملالي إيران في بقاء العراق بلدا ضعيفا تحكمه وتديره الأحزاب والمليشيات. وهذا لا يبرئ بارزاني وتحمله أيضا مسؤولية مؤامرة التقسيم التي تدعمها التيارات الانفصالية الكردية، لاغتنام الفرصة للانقضاض والتنكيل بالعراق التاريخي والحضاري الواحد الموحد.
كاتب عراقي

سر الاندفاع الكردي المفاجئ نحو الانفصال

أمير المفرجي