العراق من الأبجدية إلى الطواف حول قبور

إحسان بن ثامر

Sep-14

من يُفكر أن يتطرق للشأن العراقي سواء لتاريخه وحضارته الماضية أم لواقعه الحداثوي المعاصر فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لكي لا ترتفع عنده ضغوط الحسرة والندامة ولا يُصاب بآهات وأنين النفس اللوامة فيَلقي حتفه غير مأسوف عليه ولا من ثاكلة تنعاه وتبكيه ! للتقلبات المتناقضة التي يجدها في طول مسيرته التاريخية بين العراقة والأصالة والأزلية الحضارية وبين ظاهرة التناشز الاجتماعي إلى المد والجزر السياسي والإداري والاقتصادي وهلم جرا …وهي ليست حكراً على العراق فقد مرت بأمم كثيرة وبلاد متنوعة غير أنها واضحة المعالم في بلاد وادي الرافدين إلى درجة تُصيب الباحث بالحيرة والذهول بحيث أن مهد الحضارات صار يلد مَن يحمل معولاً لتهديمها وقد أجاد هذا الوريث القاصر في تنقيب التهديم والدمار لا البناء والإعمار.
ولا بأس أن نمر مرور الكرام وبالإشارة من غير إطناب الكلام على بعض الشواهد التاريخية التي تبعث فينا روح الأمل والإصرار لكي لا نستسلم لعواصف الأقدار التي عصفت بنا وأحالت دون ما نتطلع إليه وما نبتغيه وأيضاً أن لا ينشغل أبناؤه بثقافة لا تنسجم مع ماضيه العريق ولا مع حاضره ومستقبله المرتجى أن يكون مزدهرا خصوصاً تلك التي قد أكل الدهر عليها وشرب وهي مسؤلية مُلقاة على عاتقنا جميعاً وبلا استثناء.
الكتابة : حين تطور الإنسان الأول وتكونت المجتمعات البشرية ابتكر الكتابة لحفظ إنتاجه الفكري وميراثه الثقافي والعلمي من الضياع والإندثار ففي سنة (5000 ق م ) تم اختراع الكتابة، ومن على أرض وادي الرافدين في مدينة أور التاريخية التي تقع جنوب العراق في عهد اللغة السومرية. وقد مرت الكتابة بمراحل متعددة حيث أنها كانت صورية … ثم اخترعوا الكتابة المسمارية في (3600 ق م) وهي الكتابة التي تنقش على ألواح الطين والحجر والشمع والمعادن وغيرها … وقد كانت الكتابة الوحيدة التي تُستخدم آنذاك حتى اخترع المصريون القدامى الكتابة الهيروغليفية (3400 ق م) واستمر ذلك حتى ظهور الأبجدية.
الحضارات : كان للعراق السهم الأكبر من الحضارات التي تأسست وأُنشئت على ترابه ويعود تاريخ أول حضارة إلى (6000 – 8000 ق م) وقد أطلق الإغريق القدامى اسم (ميسوبوتاميا) على تلك البلاد ومعناها ( بلاد ما بين النهرين ) من السومرية والبابلية والأكدية والآشورية … وهي مهد داعية التوحيد إبراهيم الخليل (عليه السلام) إلى العصر العباسي من التاريخ الإسلامي والذي اتخذ من بغداد عاصمة له. وقد كان مزدهراً في مجالات عديدة كما أنّ هنالك إخفاقات في موارد اُخرى مما لا مجال في سردها بهذه العجالة والتي لم تكتب من أجل هذا المورد.
شهِدَ العراق ما بعد تغيير نظام الحكم في (2003 م) مزيداً من التقلبات السياسية والاجتماعية وقد سُجّل في قاموسه نقاط إيجابية بالقياس إلى محيطه العربي والإسلامي اقتصادياً كدخل المواطن وميزانية الدولة التشغيلية والاستثمارية بعدما كان محاصراً اقتصادياً لأكثر من عقد ونيف من سنيّ يوسف العِجاف إلى الحريات في محيط يحلم بمسماها والتي وصلت إلى حالة من الفوضى العشوائية وهي ليست غريبة على بلاد وادي الرافدين فقد مرّ بتقلبات عديدة على طول تاريخه العريق غير أنّ نقاط المأساة في سجلاته الحديثة من الفوضى والدمار والحروب الأهلية والطائفية والفساد الإداري أكثر بكثير وبأضعاف مضاعفة. لكنّ هذا هو قانون التغيير لا يكون إلاّ بضرائب قاسية وجسِام بما في ذلك بلاد الربيع العربي وخريف الحكام بحيث مهما حدثت وتحدث من مناظر بشعة في عالمنا العربي المنكوب تزول تلك اللوعة للوهلة الأولى حينما نشاهد نسبة الوعي والإدراك لدى المجتمع لا سيِّما الجيل الواعد والفتي بروح العزيمة والإصرار وهو بحد ذاتهِ نصر وإنجاز كبير لأمتنا المناضلة لأنّ جميع الحضارات التي خدمت الإنسانية وغيرت مجرى التاريخ إنما بُنيت على أنقاض الفجائع والأحزان.
وكما أنّ هنالك تنقيباً للآثار فإن هناك تنقيباً للأفكار وعلينا أن لا نوفر جهداً في تصفيتها وتطهيرها من الشوائب والغث والدخيل الذي لحق بها وإذا ثمة نسبة كبيرة من الوعي يُشار إليها في عالمنا العربي بعد التغيير الحديث فكذلك بالمقابل هنالك نسبة قد تضاهيها من اللاوعي. ورحم الله الدكتور علي شريعتي حينما أطلق عنوانا على أحد مؤلفاته ( النباهة والاستحمار). ومن البديهي أنّ أيّ مساحة منهما قد يتخلل إليها الفراغ فسوف تمتلأ بنتاج الاُخرى إذ لا فراغ في الكون كما يقال فيزيائياً. وعلينا أن لا نسمح للفراغ أن يتسلل للنباهة والوعي وأن نُضيّق الخناق على الجحشنة والاستحمار.
لم تكن قد استولت بلاد وادي الرافدين على حقوق النشر والمنفعة والاستخدام في ظاهرة زيارة قبور الموتى والأولياء والصالحين بمفردها بل شاركتها بلاد كثيرة ومتنوعة عربية وغير عربية. ولا أريد الدخول في البحث الفقهي الشرعي والاستدلالي لهذا الموضوع حول مشروعيتها من العدم خصوصاً أنّ بعض المشاهد لها خصوصية في الثقافة الدينية. لكنّ العراق في العقد الأخير كثرت فيه تلك الظاهرة إلى درجة أنّ عداد التوثيق والإحصاء قد تخطى الآحاد إلى العشرات بل وربما المئات!
مع استمرارية التجدد والحدوث بحيث في كل فترة يرى شخص مناماً في بيئة خصبة للأحلام والمنامات وبواحة من واحات البلد العريضة ثم تتحول إلى مقصد يُؤتى إليه من كل فجٍ عميق. بل وصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بحيث أن جرارا زراعيا خُيِّل للبعض أنه مقام لأحد الصالحين وبه شفاء للمرضى والمحتاجين وإذا بقطع غيار الجرار تم تقسيمها على أنواع أمراض الجسم فالإطارات تعالج مرض، والمحرك لمرض آخر، وهلم جرا…!
والظاهر أننا استبدلنا عيادات عمالقة الطب العراقي والعربي كالدكتور سعد الوتري والدكتور الشهيد سرمد الفهد… بإطارات الجرار والهيدروجين وربما المنجنيق قريباً، أبدلنا المهارات التقنية في العمليات الجراحية إلى الشفاء بطريقة العجائز من البخور والرياحين! والذي يزيد الطين بلة أن هنالك تناميا لهذه الظواهر بسبب الفوضى العارمة في الخطاب الديني وقد تجنبت الخوض في المزيد من التفاصيل لأنـها تـسبب الإعياء والغثـيان.

كاتب عراقي

العراق من الأبجدية إلى الطواف حول قبور

إحسان بن ثامر