سعوديون في المطبخ التاريخي للجامعات الأمريكية : كتابة التاريخ الجديد للمملكة العربية السعودية

محمد تركي الربيعو

May-16

شهدت الجامعات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية مثل، برنستن وهارفارد وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، تأسيس عدة مراكز جديدة في داخلها تعنى بدراسة الشرق الأوسط. وقد أخذت هذه المراكز تبدي اهتماما متزايدا بأدوات كتابة التاريخ الجديد الذي أخذ يميل بشدة إلى مقاومة التاريخ السياسي، لاعتقاده بأن هذا التاريخ المملوء بالوقائع والأحداث، ما هو إلا واجهة يتخفى وراءها الدور الحقيقي للتاريخ الذي تدور أحداثه في الكواليس وفي البنى الخفية التي يتوجب الكشف عنها وتحليلها.
وبالتطرق إلى جامعة كاليفورنيا الأمريكية في لوس أنجليس مثلا، نجد أن المدير المؤسس لمركز الشرق الأدنى في الجامعة كان المستشرق النمساوي غوستاف فون غرونباوم (1900-1972)، الذي جعل من مركزه مقرا للبحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي الشرق أوسطي. وعلى الرغم من أن غرونباوم عرف في البداية عبر تعليمه اللغة العربية في جامعة شيكاغو، الا أنه في سنوات تعليمه هذه أصبح متأثرا بعلم الأنثربولوجيا والمعرفة التاريخية، ولأنه اعتبر نفسه «عالما اجتماعيا» على الرغم من تدريبه اللغوي، فقد اجتذب الناس بواسطة وجهات نظر عديدة حول الشرق الأوسط.
في الفترة نفسها، قدمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي رافقت توسع صناعة النفط بعد الحرب العالمية الثانية أرضا خصبة للدراسات التاريخية التي تتجاوز الأحداث السياسية والدينية، حيث أخذت بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية، تسعى ضمن سياسات التنمية إلى نمو ودعم المهنة التاريخية المحلية، عبر ابتعاث الطلاب إلى الدول الأجنبية، كي يتمكنوا من المساهمة في التنمية الوطنية والحلول محل الأجانب كمسؤولين وأساتذة في التاريخ، بالإضافة إلى فروع دراسية أخرى. وقد نال الجيل الأول من المؤرخين وعلماء الآثار السعوديين المحترفين أمثال عبد العزيز الخويطر وعبد الله العثيمين وعبد الرحمن الأنصاري، درجة دكتوراه بشكل أساسي من جامعات بريطانية في الستينيات والسبعينيات. لكن في ما بعد أصبحت الولايات المتحدة الوجهة المفضلة للعديد من طلابها السعوديين، عكست من ناحية الأهمية المتزايدة للعلاقات السعودية الأمريكية، ومن ناحية أخرى وعيا متزايد أيضا بالسيطرة المعرفية الأمريكية على العديد من الفروع الدراسية بعد الحرب العالمية الثانية. الأمر الذي عنى للطلبة السعوديين الانشغال بالحياة الثقافية والنقاش الدائر حول العلوم الإنسانية، والتعرف على أنواع مختلفة من التواريخ، مثل التاريخ الديني والاجتماعي، بدل التاريخ السياسي التقليدي الذي درسوه في الجامعات السعودية.
وبناء على هذه الخلفية التاريخية، يسعى الباحث الألماني يورك ماتياس ديترمان، في كتابه المترجم حديثا للعربية «كتابة التاريخ في المملكة العربية السعودية» ترجمة عبد الله العسكرـ جداول 2015 إلى التعريف بقصة التعدد الروائي وكتابة التاريخ الجديد، الذي أخذ يشهده تاريخ المملكة العربية السعودية، عبر تحليل معمق لتطور عدد من الأطروحات من قبل مؤرخين سعوديين، خاصة بعد مرحلة السبعينيات، داخل المطبخ التاريخي لعدد من الجامعات الأمريكية، وبالأخص جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس.
ففي هذه الجامعة نجد أن الطلبة السعوديين طوروا اهتماما جديدا بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمملكة، وكان أحد أوائل هؤلاء هو المؤرخ السعودي عبد الله العسكر الذي كان من منطقة نجد، والذي انتقل بعد نيله شهادة بكالوريوس من جامعة الملك سعود عام 1974، لمتابعة الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، وفي تلك الأثناء، كان رئيس لجنته لمناقشة الدكتوراه مايكل مورني (ولد عام 1939) أحد طلاب فون غرونباوم ومؤرخا اجتماعيا واقتصاديا شابا. وقد تأثر العسكر في تلك الفترة كذلك بعدد من العلماء الاجتماعيين أمثال جورج صباغ (1920-2003) وهو عالم اجتماع في جامعة كاليفورينا في لوس أنجليس، وأنور عبد الملك الذي أثر به عبر مناقشاته لإحلال النماذج المتعلقة بفروع دراسية مثل «التاريخ وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم السياسية» محل «نماذج وطرق الاستشراق».
وبعد الاطلاع على المدارس التاريخية والاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة، طور العسكر أطروحته للدكتوراه حول اليمامة، أو جنوب نجد بعنوان «اليمامة في القرنين السادس والسابع». فقد وصف الموضوع بأنه خيار «طبيعي» لأنه أتى من المنطقة نفسها، ووجد أن القلة تطرقت لتاريخ اليمامة خلال تلك الحقبة، حيث ناقش في هذه الأطروحة واستنادا إلى جغرافية اليمامة، كونها شكلت وحدة اقتصادية، وأنتجت أساسا لـ»شعور إقليمي ثابت»، الأمر الذي انعكس في عدد من الصراعات الإسلامية المبكرة بين المنطقة العربية المركزية والقوى المجاورة، التي ارتبطت بمسيلمة «النبي الكذاب» وحروب الردة التي تلت وفاة النبي وتمرد الخوارج. وقد دفعته نتائج أطروحته إلى تقديم أول التفسيرات لظهور الدعوة الوهابية، من خلال زعمه بأنه «لا مبالغة في القول إنه حتى الحركة الوهابية استعملت الشعور الإقليمي. وذلك هو شعور أهل اليمامة الذي استمر فاعلا حتى القرن التاسع عشر».
من جانب آخر يتطرق ديترمان لجهود المؤرخ السعودي عويضة الجهني، الذي اتجه لدراسة التاريخ الاجتماعي أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه برعاية المملكة في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه الأثناء، قرأ الجهني مقالتين عن الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر بقلم المؤرخ الأمريكي للإسلام جون فول، مما أثر في مناقشاته، حيث وضعت المقالتان ابن عبد الوهاب في السياق المناسب، وتحدتا الفكرة بأن تعاليمه قد سبقت «عصر الجهل». في المقالة الأولى، منذ عام 1975، تخلى فول عن الدراسات السابقة التي أظهرت بشكل أساسي كيف أثر الوهابيون في حركات دعوية أخرى. وبدلا من ذلك درس الخلفية التي نمت منها الدعوة الوهابية. وقال بأن حلقة من العلماء أثرت في ابن عبد الوهاب خلال دراسته في المدينة. وفي مقالته الثانية، منذ عام 1980 أكد فول أن القرن الثامن عشر في التاريخ الاسلامي لم يكن «عصرا مظلما من الجهل والركود الفكري»، بل كان في الحقيقة «فترة تطورات كبيرة في السمات الأساسية للتقليد الإسلامي».
وبينما شكلت هذه المقاربات بالنسبة للجهني إلهاما حول موضوعه ومناقشته، ظل يعتمد على مصادر سعودية في استقصائه داخل الماضي قبل الوهابي، وهو ما جعل بحثه مشروعا عالميا بدلا من مشروع منفذ في الغرب ومستند إلى الأدب الغربي وحده. وكان أحد أهم مصادره سجلا تاريخيا كتبه عبد الله بن محمد البسام (1851-1927)، وهو عالم وتاجر نجدي. وكان عنوانه «تحفة المشتاق في تاريخ نجد والحجاز والعراق»، حيث كان لدى البسام، الذي سافر إلى الهند والعراق ومصر والحجاز، وجهة نظر أكثر عالمية من مؤرخي مدرسة ابن غنام الوهابية. وبدلا من وضع ابن عبد الوهاب أمام خلفية تفتقر للسياق التاريخي، قدم البسام لقرائه رواية عن أحداث عربية عديدة منذ القرن الخامس عشر، كانت غائبة عن أعمال نجدية أخرى. والجدير ذكره هنا أن هذا السجل وصل إلى الجهني بعد رحلة عالمية. فقد نسخ معلم فلسطيني المخطوطة في بلدة عنيزة عام 1956 بعد استعارتها من القاضي عبد الله بن عبد الرحمن البسام. بعد ذلك حصل أستاذ في جامعة حيفا على هذه النسخة، ومن هناك شق النص طريقه إلى كندا وأخيرا إلى جيري باكراك المشرف على الجهني. وبذلك قدمت رواية عائلة البسام النجدية قبل الوهابية مادة لتفسير سياقي للدعوة الوهابية، بأنها ناتجة عن نمو التعلم الديني بدلا من «عصر الجهل». وقد عرض الجهني هذا التفسير في أطروحته لنيل الدكتوراه عام 1983 بعنوان «تاريخ نجد قبل الوهابيين: دراسة للأحوال الاجتماعية والسياسية والدينية خلال ثلاثة قرون قبل حركة الإصلاح الوهابية»، أكد من خلالها أن الظهور الوهابي «لم يحدث بصدفة محضة». فبين القرنين السادس عشر والثامن عشر، شهدت نجد نموا عمرانيا وسكانيا كبيرا، سبب منافسة على موارد المنطقة المحدودة، وبالتالي صراعات، الأمر الذي تطلب «نموا في التعليم الديني»، ولذلك فإن ابن عبد الوهاب «كان نتاج ذلك المجتمع الجديد وصفوة ذلك النمو للتعلم الديني».

تنظير الدولة السعودية:

من جانب آخر، يتطرق ديترمان لتجربة بعض الطلبة السعوديين الذي تأثروا بالتفسير الاقتصادي للأحداث، وكان من أهم هؤلاء هو الطالب السعودي مشاري النعيم (ولد عام 1957) الذي درس في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس. وباستخدام منظور مادي، تحدى النعيم فكرة أن الدولة السعودية مشروع ديني، وهو ما كان بارزا جدا في الكتابة التاريخية السلالية. وناقش بأن الدعوة الوهابية كانت «أيديولوجية حضرية» مما لبى المصالح التجارية، لذلك لم تكن الدولة السعودية مجرد ناتج للاتفاق بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، بل كانت «تحالفا ثلاثيا طبيعيا، القيادة السياسية والتجار والعلماء».
وبينما استعمل النعيم مفاهيم النظرية الماركسية، ظل يناقش ضد الماركسيين الغربيين الذين صورا الدولة السعودية بأنها نتاج الرأسمالية أو الإمبريالية. وبدلا من ذلك، اعتبر أنها وجود طبيعي قبل الرأسمالية. وانتقد دراسة حول الاقتصاد السياسي السعودي كتبتها هيلين لاكنر، لاستبعاد «العامل الحضري» وتصور المملكة العربية السعودية الحديثة بأنها «نتيجة التدخل الإمبريالي البريطاني في الصراع المحلي بين العشائر». ودحض النعيم أيضا نقاشا في العمل المقروء على نطاق واسع : «الجزيرة العربية بدون سلاطين» للعالم البريطاني فريد هاليداي الذي تصور «بأن توسع الرأسمالية منذ عام 1500 كان مسؤولا عن التحولات في الجزيرة العربية»، بينما رأى النعيم أن «الأنماط التجارية المرتبطة بظهور الدولة السعودية كانت أساسا غير رأسمالية مع القليل جدا من الارتباطات بالشركات أو المنتجات الرأسمالية».
كما يشير ديترمان لجهود أستاذ علم الاجتماع التاريخي السعودي خالد الدخيل، الذي تأثر خلال دراسته في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس بكتاب «الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية» تأليف عالم الاجتماع السياسي بارنغتن مور. وباستعارته من عنوان الكتاب، وضع الدخيل لأطروحة الدكتوراه عنوان «الأصول الاجتماعية للحركة الوهابية» وطور من خلال هذه الأطروحة واستنادا إلى بحث سياقي سابق في التاريخ الاجتماعي لنجد قبل الوهابية، النظرية الأكثر إتقانا لظهور الدعوة الوهابية حتى الآن عبر تطوير ثلاثة نقاشات.
الأول، رفض فكرة الجاهلية، ذلك أن خلفية ظهور الدعوة الوهابية لم تتسم «بتدهور المعتقدات الدينية، ولكن بالأحوال الاجتماعية والسياسية المضطربة». الثاني، بدحض أفكار أن الدولة مشروع عشائري، لأن «الدولة السعودية الأولى جاءت بعد تفتت بنية القبيلة المستقرة». الثالث تقسيم الدولة السعودية لثلاث مراحل تتمثل في «استقرار جماعي عشائري» و»ظهور البلدات» و»الدولة المركزية التي كانت مستندة إلى المبادئ الوهابية».
وكما فعل النعيم الذي كان زميله في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، انشغل الدخيل بالأدب العالمي، وانقلب ضد العلماء الأجانب الذي فهموا الدعوة الوهابية وفقا لابن خلدون. وبالنسبة له، كان كتاب المؤرخ اللبناني مسعود الضاهر حول الدولة في المناطق العربية الشرقية «قد شكل نموذجا عن التاريخ الضعيف». فقد وصف هذا الكتاب الدولة السعودية بأنها «تحقيق حديث لصيغة ابن خلدون القديمة، وقد تحالف الشعور الجماعي العشائري (العصبية) تحت حكم قبيلة آل سعود مع الدين لتأسيس دولة. وبالطريقة نفسها، لام عالم الاجتماع السعودي العالم السوري عزيز العظمة على «تكرار الفكرة المبتذلة ثانية» بأن الايديولوجية الوهابية ساعدت التضامن العشائري، وعلى اعتبار «الغزو والنهب» الوسيلة الوحيدة لدى المجتمع العربي لإعادة بناء نفسه. واختتم الدخيل مراجعته الأدبية بنقد العالم السياسي اللبناني غسان سلامة. وبالنسبة للدخيل، قدم سلامة «قراءة سطحية لتاريخ الحركة الوهابية» التزم فيها «حرفيا بما ذكره ابن خلدون في مقدمته».

كاتب سوري

سعوديون في المطبخ التاريخي للجامعات الأمريكية : كتابة التاريخ الجديد للمملكة العربية السعودية

محمد تركي الربيعو