سجن افتراضي سوري مفتوح للزوار في باريس: الفنان دينو أحمد علي: الخداع البصري لقول الحقيقة

راشد عيسى

May-04

باريس ـ «القدس العربي»: يستلهم الفنان التشكيلي السوري أحمد علي، في معرضه المقام أخيراً في غاليري «أوروبيا» في باريس، من تجربة المعتقل السوري. أساس معرضه في تلك الغاليري الصغيرة والأنيقة عمل تركيبي يحاكي سجناً. هو إيهام بالسجن. خطوط سوداء مرسومة يجد الزائر نفسها وراءها كما لو أنه داخل سجن وراء القضبان. عملية لن تكتمل إلا بوجود متلق يرى صورته على شاشة، حينها فقط سيدرك أنه بات داخل القفص.
لكن المعرض سيضم لوحات أخرى مطبوعة، حملت عناوين من قبيل «صرخة حالمة»، «انطوائي»، «نفق»، «عزلة»، «سجن إفرادي»، وسواها. عناوين تشي بأنها لا تخرج من أسر العمل التركيبي الأساسي، كأنما أراد الفنان، كما قال ل «القدس العربي»، أن يروي عبر تلك المطبوعات سيرة العمل التركيبي/ المعتقل «أردت أن أقول ما الذي أوصلني إلى هنا، حيث يبدو أن التركيب هو الهدف من التجربة، لكني لم أستطع الاستغناء عن هذه اللوحات». هكذا يرى الفنان أن العمل التركيبي هو تطوير للوحة «معتقل فردي».
كذلك فإن دينو، وهذا هو الاسم الكردي للفنان، مشغول بالكيفية التي سيتلقى بها الناس العمل «أردت اختبار كيف ستؤثر هذه التجارب بالمتلقي، ولأنني أريد لعملي أن يؤثر فيه بمعزل عن هويته فقد تقصدت أن لا يكون هناك رموز سورية».
حتى الآن لا يبدو أن المتلقي السوري هو هدف الفنان، الفرنسي الإقامة، فهو حتى حينما يفكر بالضحايا السوريين، ببيوتهم المهدمة على سبيل المثال، يفكّر بأن يعيد العمل التركيبي فوق بيت مهدم، بل أن يشيد بناء مهدماً كي يقيم فوقه تجربة مماثلة تستعيد الأحياء الذين كانوا يوماً بين جنبات هذه الجدران. يبدو أن الفنان، الملتزم بعمق بثورة شعبه، حيث وظف نفسه في التعبير عنها بشكل مباشر عبر الملصق السياسي مثلاً، مشغول أكثر بالأثر الذي يمكن أن تحدثه أعماله حيث يعيش، في أوساط الفرنسيين.
غير أن عمله ينطوي أيضاً على قدر من التجريب البصري، هو الذي يوظف تقنيات الخداع البصري، وهذا جزء من بحثه كطالب دكتوراه في باريس، في خدمة أفكار وتساؤلات فلسفية تتعلق بالحرية، والسجن، كيف يكون السجين أكثر حرية وهو يقبع بين ملايين الجدران، فيما يستطيع أن ينظم ويخطط تظاهرات خارج السجن، كما عرف دينو من معتلقين سوريين سابقين، وكيف أن «أحراراً» خارج السجن هم أكثر عبودية.
ليس الخداع البصري إذاً مجرد لهو مجاني، فلعل الفنان، بفعل التزامه بالثورة السورية، لم يشأ أن يضيع الوقت في التلهي بصور خادعة لا طائل من ورائها، بل أراد توظيف الخدعة، الوهم، واللعب في سبيل إثبات أشياء حقيقية تحدث بعيداً عن هنا «أختبر من خلال الخداع كيف أستطيع نقل حقيقة أخرى من زاوية نظر معينة. أحاول خلق حقيقة ثانية للمتلقي».
لكن يبدو أن تجريب الفنان ذهب أبعد قليلاً من اللوحة المطبوعة والعمل التركيبي، باتجاه فنون الأداء، ولعله اقترب من المسرح. هو نفسه بدا مندهشاً من تعامل زائري المعرض مع عمله التركيبي/ السجن، كيف يتعالم الزائر الفرد، كيف تتعامل المجموعة، كيف قام البعض بالعزف والرقص داخل حيز السجن الافتراضي، كيف أحس السوريون، أصحاب الشأن بالرهبة من المكان، وكيف أحس سواهم برغبة باللعب والضحك. بل أكثر من ذلك، لقد كان هذا الأداء مفتوحاً على الفضاء الالكتروني عبر صفحة خصصها الفنان للفعالية، فبات هناك جمهور داخل الصالة، وجمهور آخر عريض افتراضي، يساهم بالتعليق والادلاء بالرأي.
تقمصُ المكان داخل الغاليري، ذهب إلى حد تحويل الزوار لحائط السجن إلى دفتر يومياتهم، تماماً كما يفعل السجناء، هناك كتب «السجناء» بلغات شتى، عربية أو سواها، قصائد وشعارات وتواريخ وأرقام، أوجعها حين مر معتقل سابق في سجون النظام السوري على الغاليري فكتب «كنت هناك، وكم افتقدت هذا القلم حين كنت هناك». ليس سجون النظام السوري لا تحوي هذا الترف، ولا أي ترف آخر.

سجن افتراضي سوري مفتوح للزوار في باريس: الفنان دينو أحمد علي: خداع البصري لقول الحقيقة

راشد عيسى